الشاعر الأردني القدير أ/ سعيد يعقوب ) في ضيافة أقلام عربية.. حاوره / سمر الرميمة

شيخ الشعراء العرب لأقلام عربية: الشعر رسالة مقدسة يجب الحفاظ عليها .. 

حاوره / سمر عبد القوي الرميمة 

الشعر تاريخ الأمة وانصهار الذات في عالم الجمال وهو يخلق عالما موازيا للذات وللعالم الخارجي فيجعل من الخيال صورة حقيقية ويحيل العادي إلى مدهش والقبيح إلى جميل.. والشاعر كتلة لهب تحتاج دائما إلى من يقلبها لتتوهج وتنير للآخرين حياتهم. وفي الحوار مع الشعراء اكتشاف جديد لعالم الإبداع وبؤرة التجربة وقنديل التوهج الشعري ونحن اليوم نحاول أن نصل عبر حوارنا مع الشاعر إلى تقديم تجربة مغايرة عركت الشعر وعرفت كيف تصوغ النص بوعي، وتسوس القصيدة بحكمة الخبير الماهر.

الشاعر القدير سعيد يعقوب أو كما يعرف عنه (شيخ الشعراء) هو ضيف “أقلام عربية” لهذا العدد وهو القائل :

سِوَايَ يُطِيلُ لِلْخَلْفِ التِفَاتا // وَيَحْزَنُ إِنْ مَضَى خَيْرٌ وَفَاتا

وَعَزْمِيْ لَا يَزِيدُ سِوَى التِئَامٍ // إِذَا شَاءَ الزَّمَانُ لَهُ شَتَاتا

وَلَيْسَ تَزِيدُنِيْ الأَحْدَاثُ إلِاَّ // شُمُوخَاً ،وَالأَذَى إِلَّا ثَبَاتا

وَأَمْضِيْ لِلَّذِيْ أَبْغِيْ شِهَابَاً // فَكَيْفَ يَرُومُ مِنْ كَفِّيْ فَوَاتا

تُعَلِّمُنِيْ التَّجَارِبُ وَهْيَ مِلْحٌ // أُجَاجٌ حَالَ فِيْ شَفَتِيْ فُرَاتا

وَيُؤْنِسُنِيْ ابْتِعَادِيْ عَنْ وُجُوهٍ // بِهَا لِيْ الكُرْهُ يَنْفَلِتُ انْفِلَاتا

وَآثَرْتُ القَلِيلَ عَلَى كَثِيرٍ // أَهُونُ بِهِ إِذَا بَلَّ الَّلهَاةَ

وَلََيْسَ يَفُتُّ فِيْ عَضُدِيْ مُصَابٌ // وَإِنَّ القَرْنَ لَا يُوهِيْ الصَّفَاة

وَمَا أَنَا بِالَّذِيْ يَرْجُو نَجَاةً // بِذُلٍّ إِنْ رَأَى المَوْتَ النَّجَاةَ

إِذَا لَذَّتْ حَيَاةُ الذُّلِّ نَذْلَاً // فَلَيْسَ بِهَا يَرَى حُرٌّ حَيَاةَ

وَإِنْ بَاتَتْ نُفُوسٌ تَحْتَ ضَيْمٍ // فَنَفْسِيْ لَيْسَ تَقْبَلُ أَنْ تَبَاتا

بَعِيدٌ بَيْنَ مَنْ يَطْلُبْ نَخِيلَاً // وَمَنْ يَطْلُبْ مَنْ التَّمْرِ النَّوَاةَ

رَأَيْتُ الدَّهْرَ يُنْصِفُ كُلَّ حُرٍّ // وَإِنْ هُوَ كَانَ فِيْ قَبْرٍ رُفَاتا

وَلَيْسَ يُقِيمُ لِلْأَنْذَالِ وَزْنَاً // وَمَا سَاوَى بِهِمْ حَتَّى حَصَاةَ

أَسِيرُ لِغَايَتِيْ سَهْمَاً مَرِيشَاً// وَلَسْتُ أُنِيلُ لِلْخَلْفِ التِفَاتا

_ نفتتح حوارنا بالسؤال عن بداية نشأتك وعن الظروف الأسرية التي ترعرعت فيها، ومتى أشرقت شمس موهبتك وتسللت أشعتها الدافئة إلى وجدانك ومن كان له الدور بصقل هذه الملكة الشعرية ؟ 

دائما ما أردد  أنه لا شيء ياتي

 من فراغ ولا يمكن أن تتشكل الاشياء إلا من مواد خام وكذلك المواهب عموما لا تنمو ولا تترعرع إلا إذا وجدت أرضا خصبة وشمسا وماء ومن يتعهدها حتى تعطي أكلها وندر أن نرى شاعرا أو موسيقيا أو فنانا إلا كان للبيئة والظروف الموضوعية أثرا كبير في في موهبته ونموها وازدهارها وأنا أعد نفسي في جملة هؤلاء وما حدث معي ليس بدعا بين هؤلاء الذين سبقوني على طريق الشعر تحديدا فقد تفتح الوعي عندي في بيت كان يهتم بالشعر والادب عموما فوالدي رحمة الله عليه كان يحفظ مجلدات من قصص عنترة والزير سالم وتغريبة بني هلال وكان يقصها على مسامع جلسائه وسماره بطريقته المحببة و أسلوبه المشوق الآخاذ الساحر ونغمته المموسقة وكنت منذ طفولتي أجلس إليه فأسمع وأحفظ  وألتذ بما أسمع فعشقت الوزن والنغم واللفظ وتفتح الخيال وكثيرا ما كان يجمع أطفاله حوله في ليالي الشتاء والثلج حين ينقطع التواصل بين الناس ويقص علينا مما يحفظ  ثم حين تعلمت القراءة بدأت أفتح عيوني على كنوز اللغة والشعر قرأت حتى امتلات ففضت بعد ذلك 

.

_  في مسيرتك الشعرية هل واجهتك صعوبات معينة ؟ وكيف تغلبت عليها ؟ 

في البداية كنت أحفظ الشعر وأقرأ القرآن الكريم  وهذا قوى من لغتي وأقام لساني ولكني لم أكن أتقن العروض ولا اعلم عنه شيئا كنت أكتب على السماع شعرا موزونا كما كان يفعل أهل الجاهلية قبل وجود العروض كنت افتش عمن يعلمني العروض ولا أجد أحدا، كان العروض من العلوم المجهولة التي لا يحسنها أحد حتى وقعت على أحد كتب العروض المبسطة فقرأته وفهمته وحين عدت لأراجع ما كتبته على العروض كنت أجده موزونا وجدت العروض شيئا سهلا وماتعا تعلمته بسرعة وأنا في حدود الثانية عشرة من عمري وحين أقرت مادة العروض علينا في المدرسة لم يكن استاذ العربية يتقنها فصرت أعلم طلاب مدرستي ومعلم مادة اللغة العربية لأنه لم يدرسها في الجامعة  وهذه من المفارقات ثم حين بدات أكتب القصائد الناضجة كنت أجد صعوبة في نشرها فمرحلة بداية الثمانينات كانت مرحلة لا تفضل الشعر العمودي بل وتحاربه وكان المشهد الشعري يحتفي بقصائد التفعلية وقصيدة النثر .. كان الشعر الأصيل يحارب علانية  بسبب وجود عدد من الأشخاص الذين يقومون على دوائر النشر في المجلات والصحف وكانوا يكتبون اللون الجديد من الشعر ويشجعون عليه كانت صعوبة بالغة أن تنشر شعرا عموديا في ذلك الزمان ولكني بقيت مصرا على اللون الذي أكتبه ثم في ما بعد تحررنا من سلطة النشر الورقي، وسقطت امبراطورية الصحف والمجلات وبدأ عصر النشر الالكتروني الذي كشف عن واقع المجتمعات العربية وشدة تمسكها بالشعر العمودي وحبها له وتمثل ذلك بظهور عدد كبير من شعرائه والمجموعات العديدة التي تهتم به مما عزز إيماني بصحة توجهي وعمق ما كنت أؤمن به طيلة حياتي من أن الشعر الحقيقي هو الشعر العربي الأصيل الذي حاولوا أن يزوروه ويشوهوه ولكنهم لم يفلحوا بذلك ولن يفلحوا وأنا أرى اليوم عودة العمودي ليتسيد المشهد الشعري في كل أقطار الوطن العربي وانحسار شديد لموجات التغريب المتمثلة بقصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر . 

_ ظهرت مدارس شعرية منذ القدم والتي ظهرت عبر الثورات الشعرية منذ ثورة زهير ابن أبي سلمى وصولا الى الحداثة وما بعدها هل تأثرت بمدرسة شعرية معينة وما رأيك بالحداثة؟ 

أستطيع أن أقول أن الشعر الجيد هو ما كان يروقني ويستهويني بغض النظر عن المدرسة التي ينتمي لها ولذلك فأنا استقرأت الشعر العربي كله في جميع العصور من الجاهلية وحتى يومنا هذا بل واطلعت على الشعر العالمي في كل أقطار الدنيا للحضارات والشعوب والامم التي من حولنا وأعجبت بكل ما هو جميل ورائع وبما انني أكتب الشعر العمودي وأحبه فانا أنتمي للمدرسة الكلاسيكية ولكنني احاول أن آخذ كل جميل من كل مدرسة وأؤمن بالمدسة التكاملية التي تأخذ كل حسن من كل مدرسة .

.

_ ما هو تعريفك الخاص بالشعر ؟ _

كثرت تعريفات الشعر ولكل شاعر ربما تعريف خاص به ولا أحد يستطيع  أن يأتي بتعريف يقره الجميع عليه ولأن الشعر بالنسبة لي كائن حي ولا كائن حي بلا روح فالروح معجزة وسرها يغيب عنا فلا يمكن ان يدرك والشعر لا يمكن ان يدرك كنهه حتى نستطيع أن نعرفه ولكن إن كان لا بد من تعريف فأنا وبشكل خاص أعرفه على أنه حشد أكبر كمية من الجمال في أصغر رقعة من اللغة .

_  تعريف رائع جدا ..ننتقل إلى سؤال آخر شاعرنا

هل هناك ما يسمى بأدب الثورات؟ وهل هناك فرق بين هذا الأدب – إن وجد – وبين أدب الحرب؟ _

أنا أقول أن هناك ما يسمى بأدب الثورات وهو الشعر الذي حرض عليها وواكبها فوصف مجرياتها وأحداثها وبطولاتها ومواقفها  وهو أوسع من أدب الحرب وأشمل لأنه يغوص في أعماق الأحداث ويفلسفها ويبني فكرا مقاوما ووجدانا شعبيا أما أدب الحرب فهو وصفي خارجي يعني بالنتائج أكثر من الأسباب .

.

ما رأيك في مقولة أن هذا زمن الرواية وليس زمن الشعر؟ 

 الشعر ديوان العرب وسيبقى،الرواية تحتل مكان الصدارة اليوم بلا شك على حساب الشعر ولذلك اسباب موضوعية وذاتية أما الموضوعية فهو سهولة النشر وتشجيع دور النشر لكتابة الرواية بهدف الربح ووجود الجوائز الضخمة للرواية مما دفع كثيرا من الشعراء للتخلي عن كتابة الشعر لصالح الرواية سعيا وراء الشهرة والمال أعتقد أن الأمر متعلق بالذوق العام والثقافة، الشعر يتعلق بالفكر والإحساس بينما الرواية تنحاز للمتعة والإثارة و الناس بطبيعتهم منساقون لهذين:  المتعة والإثارة أكثر من الفكر والإحساس والعالم اليوم يتجه لثقافة الاستهلاك المادي ويسير نحو المادية

_هناك أمراض اجتماعية كثيرة منتشرة بين مجتمعات الوطن العربي منها النفاق والنفعية وعدم الإنتماء وغيرها من الأمراض المنتشرة هل للشعر دور في إزاحة هذه الأمراض؟ 

للشعر كل الدور في تعرية الزائف وإدانته والدعوة غير المباشرة للمثل والقيم والمبادئ الشعر في أصل نشاته يدعو إلى النبل والفروسية وينحاز لأخلاق الفرسان ، ولذلك أحارب بشعري القبح الاجتماعي المتمثل في السلبيات عن طريق إعادة فن الهجاء الكاريكاتوري ورسم صورة منفرة للنفاق والغدر وعدم الوفاء والنفعية والوصولية  وعدم الانتماء ربما تكون مقطعات الهجاء الفني لدي هي ذروة ما انتجت من شعر فنيا .

_في ظل التطور التكنولوجي هل تفضل الكتاب الورقي أم الإلكتروني الذي انتشر بشكل كبير في الآونة الأخيرة ؟ 

 انا أنتمي لجيل تعود على الكتاب الورقي وهو رفيقي في حلي وترحالي ولا أستطيع الاستغناء عنه ولذلك متعتي في اقتناء الكتب والإنفاق عليها بسخاء واهم هواياتي هي القراءة وأنا أفضل قراءة الكتاب الورقي على الالكتروني طبعا ولكن هناك كتب للأسف لا تتوفر لي لندرتها أو لعدم القدرة بالحصول عليها بسهولة مما يجعلني  أضطر لقراءتها الكترونيا وهذا امر جيد في مثل هذه الحال إذ لا سبيل اليها بغير هذه الطريقة

_ هل هناك شعراء معاصرون تحب أن تقرأ لهم ؟ 

أنا أقرأ الشعر الجميل وأتذوقه من حيث كان وأنى كان صاحبه بغض النظر عن الأسماء 

.

_هل الشعر مواكب حقيقي لقضايا الأمة ؟  

أعتقد أن الشعر كان ديوان العرب ولا زال يسجل ويرصد كل ما ينتاب هذه الأمة فهذه رسالته التي حملها منذ الجاهلية للآن ولم يتخل عنها .

.

_وأين الشعر العربي اليوم من قضية فلسطين؟ _ هناك شعر كثير قاله الشعراء منذ بداية الصراع مع المحتل الصهيوني، ولا زال الشعراء لليوم يكتبون في الأحداث وقدكتبت عن أحداث غزة والانتفاضة الأولى والثانية وانتفاضة الاقصى وأحداث الخليل وغيري فعل ذلكو أصدرت دواوين متخصصة في ذلك مثل غزة تنتصر ومقدسيات وعبير الشعراء وغيرها

فَلَا أَبْقَى عَلَيَّ اللهُ يَوْمَاً // إِذَا أَنَا مَا ثَأَرْتُ مِنَ اليَهُودِ

وَلَمْ أَثْأَرْ لِكُلِّ فَتَىً أَسْيرٍ // وَآخُذْ حَقَّ كُلِّ فَتَىً شَهِيدِ

وَإِنْ أَنَا لَمْ أُذِقْهُمْ كَأْسَ ذُلٍّ // أُعَلِّمُهُمْ بِهِ مَعْنَى الصُّمُودِ

وَإِنْ سَامَحْتُ فِيْ حَقِّيْ عَدُوَّاً// بَغَى وَطَغَى وَأَفْسَدَ فِيْ الوُجُودِ

وَلَمْ أَبْذُلْ فِدَاءَ الأَرْضِ رُوحِيْ // وَإِنْ لَمْ أَرْوِهَا بِدَمِ الوَرِيدِ

وَإِنْ لَمْ أَحْمِ لِيْ عِرْضَاً كَرِيمَاً // وَإِنْ لَمْ أَخْزِ أَبْنَاءَ القُرُودِ

جَبِينِيْ مَا انْحَنَى إِلَّا لِرَبِّيْ // فَمَا أَحْنِيهِ إِلَّا فِيْ سُجُودي

وَلَيْسَ لَكُمْ بِأَرْضِيْ أَيُّ حَقٍ // تَوَارَثَهَا جُدُودِيْ عَنْ جُدُودي

لَقَدْ أَخَذَتْ عَلَيَّ القُدْسُ عَهْدَاً // وَمِثْلِيْ لَيْسَ يَنْكُثُ بِالعُهُودِ

بِأَنْ تَبْقَى الأَعَزَّ عَلَيَّ حَتَّى // وَلَوْ أُعْطَى بِهَا فَوْقَ المَزِيدِ

وَلَنْ أَرْضَى بَدِيلَاً عَنْ ثَرَاهَا // عَرِينُ القُدْسِ أَوْلَى بِالأُسُودِ

وَلَا يَرْضَى بِعَيْشِ الذُّلِّ إِلَّا الـ// ـعَبِيدُ وَلَيْسَ شَعْبِيْ بِالعَبِيدِ

وَلَكِنْ هُمْ غَطَارِفَةٌ كِرَامٌ // وَصِيدٌ مِنْ غَطَارِفَةٍ وَصِيدِ

لَقَدْ ثَارُوا عَلَى المُحْتَلِّ نَارَاً // سَتَحْرِقُ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدِ

وَقَدْ هَبُّوا عَلَى المُحْتَلِّ سَيْلَاً // سَيَجْرِفُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدِ

.

_ في ظل الانقسام العربي هل الشعر عامل من عوامل التوحد؟ 

 الشعر من أكبر عوامل الوحدة بين أقطار الوطن العربي وهو القلعة الحصينة للدفاع عن اللغة العربية والقرآن الكريم ، وهو يشكل وجدانا واحدا بين أبناء الأمة  وبوصلة تحدد الأهداف الكبرى لها ووجهة السير الشعر العربي والحفاظ عليه هو رسالة مقدسة في أعناق  الشعراء عليهم عدم التخلي عنها تحت أي ظرف والوقوف في وجه هدمه بتغريبه وتشويهه وحرفه عن ثوابته وأصوله بدعوى التحديث الزائف . 

_ كيف ترى المشهد الثقافي العربي هل يعطي الأديب قدره وهو على قيد الحياة كتضمين تجربته الشعرية ضمن المناهج الدراسية أو الالتفات إليها تحليلا ونقدا ؟ 

_للأسف ما يعتري الشعر من ضعف وآفات يعتري النقد ايضا، قلة من النقاد المنصفين من تهتم بالشعر الجاد الرصين بعيدا عن الهوى والمصالح والشاعر الحقيقي  عليه أن يساهم في تسويق نفسه وأن يكون حاضرا.

نتوقف مع قصيدتك( فلسفة الجمال )ثم نكمل حوارنا  

سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الجَمَالَ وَصَوَّرَهْ // وَأَدَقَّ صَنْعَتَهُ وَأَحْسَنَ مَنْظَرَهْ

وَسَبَى العُيُونَ بِهِ فَمَا مِنْ نَاظِرٍ // إِلَّا وَسَبَّحَهُ عَلَيْهِ وَكَبَّرَهْ

سبُحْاَن َمَنْ نَقَّى التُرَابَ مِنَ الأَذَى // وَعَلَيْهِ أَغْدَقَ بِالضِّيَاءِ فَنَوَّرَهْ

وَحَبَاهُ مِنْ فَيْضِ المَشَاعِرِ فَارْتَوَى // وَكَسَاهُ مِنْ حُلَلِ العَفَافِ وَطَهَّرَهْ

وَهَدَاهُ فِيْ ظُلَمِ الوُجُودِ فَلَمْ يَتِهْ // وَأَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ فَحَرَّرَهْ

سُبْحَانَ مَنْ قَامَ الوُجُودُ بِأَمْرِهِ // وَبِحِكْمَةٍ تَخْفَى عَلَيْنَا دَبَّرَهْ

هِيَ نَفْحَةٌ قُدُسِيَّةٌ مِنْ رُوحِهِ // فَتَفَتَّحَ الطَرْفُ العَمِيُّ لِيُبْصِرَهْ

وَحَنَا عَلَى الإِنْسَانِ حَتَّى لَمْ يَدَعْ // شَيْئَاً لَهُ يَحْتَاجُ إِلَّا وَفَّرَهْ

وَالعَقْلُ طِفْلٌ قَامَ يَحْفَظُ دَرْسَهُ // مِنْ سِفْرِ كَوْنٍ بِالإِشَارَةِ فَسَّرَهْ

هَذَا الجَمَالُ رَسُولُ رَبِّكَ فَاسْتَمِعْ // تُنْبِيكَ آيَاتٌ لَهُ عَنْ مَقْدِرِةْ

هُوَ فِيْ التَّنَاغُمِ فِيْ التَّفَاصِيلِ التِيْ // جُمِعَتْ فَكَانَتْ مُعْجِزَاتٍ مُبْهِرَةْ

وَالقُبْحُ مِنْ مَعْنَى الجَمَالِ وَإِنْ بَدَتْ// مِنْهُ مَنَاظِرُ لِلْعُيُونِ مُنَفِّرَةْ

لَوْلَاهُ لَمْ نُدْرِكْ بُلُوغَ لُبَابِهِ // كَلَّا وَلَمْ تَصِلِ المَدَارِكُ جَوْهَرَهْ

فَاخْشَعْ لَدَى الحَرَمِ الذِيْ لَمْ يَبْنِهِ//إِلَّا الذِيْ تَهْفُو القُلُوبُ لِتَشْكُرَهْ

يَا رُبَّ وَجْهٍ فَاتِنٍ عَيْنِيْ بِهِ // سُحِرَتْ وَكَانَ لَهَا بِذَلِكَ مَعْذِرَةْ

فَاهْتَاجَ دَمْعَاً فِيْ الفُؤَادِ وَبَسْمَةً // جَمَعَ الرَّشَادَ وَعَادَ مِنِّيْ بَعْثَرَهْ

كَمْ فِيْ العُيُونِ إِشَارَةٌ عَنْ مُبْدِعٍ // أَلْقَى بِهَا الفَنَّ العَمِيقَ وَكَثَّرَهْ

مَنْ أَوْدَعَ الزَّهْرَ الأَنِيقَ أَرِيجَهُ// فَزَهَا بِاَلْوَانِ الفُتُونِ وَنَضَّرَهْ

مَنْ أَلْهَمَ الشُّعَرَاءَ سِحْرَ حُرُوفِهِمْ // صُحُفَاً عَلَى شَفَةِ الزَّمَانِ مُنَشَّرَةْ

وَترَى مِنَ الخَيْلِ الأَصِيلَةِ كُلَّ مَا // لَمْ تَلْقَ فِيْ طُرُقِ الجَمَالِ وَلَمْ تَرَهْ

كَمْ فِيْ الطَّبِيعَةِ مَنْظَرٍ وَكَأَنَّهُ // شِعْرٌ يَرَاعُ العَبْقَرِيَّةِ سَطَّرَهْ

مَنْ زَانَ بِالبَدْرِ الظَّلَامَ وَنَورُهُ// كَالفِضَّةِ البَيْضَاءِ سَالَ لِيَغْمُرَهْ

مَنْ أَطْلَعَ الفَجْرَ الوَضِيءَ مِنَ الدُّجَى // فَهَمَى عَلَى كُلِّ الوُجُودِ وَعَطَّرَهْ

مَنْ أَنْزَلَ المَاءَ الفُرَاتَ عَلَى الثَّرَى // فَرَوَى بِهِ عَطَشَ الجُذُورِ وَخَضَّرَهْ

سُبْحَانَ مَنْ لَوْ رُحْتُ أُحْصُرُ فَضْلَهُ // يَعْيَا لِسَانِيْ إِنْ يَشَأْ أَنْ يَحْصُرَهْ

جَعَلَ ابْنَ آدَمَ فِيْ الوُجُودِ مُسَيْطِرَاً // وَعَلَيْهِ اَحْكَمَ فِيْ الوُجُودِ السَّيْطَرَةْ

– سبحان من ألهمك روعة البيان شاعرنا القدير.  بعد عشرين  ديوانا هي عصارة تجربتك الشعرية الفريدة والمميزة، فما لذ وطاب من فنون الشعر من ( وجدانيات _  تغزل بالوطن والحبيبة والأم والطبيعة والتربية والتعليم والحكمة  .. )وأجزم أن جمهورك الذي أهداك لقب شيخ الشعراء راض عنك جدا فهل أنت راض عما قدمته لأبناء جيلك والأجيال اللاحقة ؟

ـ  أعتقد ان هناك رضا نسبيا عن نفسي فقد عملت طوال عقود طويلة في ظروف صعبة للغاية بأقصى طاقة ممكنة لي ولم آل جهدا في تطوير نفسي وقدراتي بشكل دائب  ومستمر ولم أترك فرصة لقول الشعر إلا وقلته في أحداث أمتي وقضاياها الكبرى كشاهد على العصر  أعتقد أنني قمت بكثير مما هو مطلوب مني ولكني لا يمكن أن اصل لمرحلة الرضا الكامل وان  قلت ذلك حكمت على نفسي بالموت شعريا فلا زال أمامي الكثير لاعمله وأتمنى ان يمهلني القدر لفعل كل ما أتمناه وأحلم به شعريا فما زال في الوفاض الكثير ولم يخل الوطاب.

_كلمة أخيرة و نصيحة توجهها للشعراء الشباب ؟ 

 أما الشباب فأقول لهم عليكم بعدم تعجل نشر الدواوين ورقيا وعليكم بكثرة قراءة الشعر الجيد وحفظه واستكمال الادوات الفنية من لغة ونحو وصرف وعروض وغير ذلك واهم النصائح هي  الاستفادة من المنجز النقدي الحديث والاطلاع عليه والبعد عن الادعاء والغرور  فهي مقاتل الشاعر.

شاهد أيضاً

العالَم المُعتَقَل / شعر : صقر حزام فاضل – اليمن

  ألا أيها العالَمُ المعتقَل ويا أيها الخائف المُستــــــــذَل ويا أيها القاعدُ المنزوي ببيتك تخشى …