الخدع الشعبية عند المجاذيب في الأرياف اليمنية
عرف الريف اليمني خلال القرنين الماضيين حضورًا لافتًا لفئة من الأشخاص الذين كانوا يُعرفون باسم المجاذيب، وهم أفراد يجوبون القرى ويمارسون طقوسًا وأفعالًا غريبة توحي للناس بامتلاكهم قدرات خارقة أو حماية روحية خاصة. كان هؤلاء يعتمدون على خدع بدنية وحِيَل بصرية اكتسبوها بالتدريب، ويقدمونها في سياق ديني شعبي مرتبط بتقاليد الطرق الصوفية، خاصة المنسوبة إلى الشيخ أحمد بن علوان الذي يحظى بمكانة بارزة في المخيال اليمني الشعبي.
لم تكن تلك العروض مجرد ترفيه، بل كانت جزءًا من اقتصاد رمزي يوفر للمجذوب مكانة وصدقة وغلالًا وغذاءً لدى أهل القرى. ومع محدودية التعليم آنذاك وانتشار الأمية، كانت هذه الخدع تُفهم بوصفها كرامات وليست مجرد مهارات مكتسبة.
أولًا: الجذور الاجتماعية والثقافية لظاهرة المجاذيب
1. السياق التاريخي
في اليمن، كما في أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، ارتبط التصوف عبر التاريخ بأشكال من التعبير الشعبي التي تتجاوز الأذكار والمناقب إلى طقوس جسدية وممارسات خفة يد وخدع بصرية شعبية. وقد وثّق هذا عدد من الباحثين، منهم:
عبدالإله بلقزيز في دراسته حول الدين الشعبي في العالم العربي
غينتر بَتّول الذي كتب عن الممارسات الدينية اليومية في اليمن
بيير بونتي الذي قدّم تحليلا للإسلام الشعبي في المرتفعات اليمنية
تتفق هذه الدراسات على أن المتصوفة المتجولين والمجاذيب كانوا يتحركون بين المناطق الريفية ويقدمون طقوسًا تهدف إلى إثارة الدهشة وجلب القبول الاجتماعي.
2. الوظيفة المجتمعية
تتمثل أبرز وظائف المجاذيب في:
حفظ دور رمزي ديني في القرى
تكريس الاعتقاد بأنهم يحملون بركة الشيخ أو الطريقة
الحصول على الصدقات من الحبوب والغذاء
لعب دور ترفيهي خفيف في بيئات لا تحتوي على بدائل
بهذا المعنى، كانت الخدعة الجسدية أداة اجتماعية أكثر من كونها استعراضًا احترافيًا.
ثانيًا: طبيعة الخدع الجسدية والبدنية
لا يوجد دليل على أن المجاذيب امتلكوا قدرات خارقة. بل كانت الأعمال التي يقومون بها متوارثة ومبنية على تقنيات بدنية بسيطة تشبه ما يُعرف اليوم بخدع السيرك أو “الاستعراضات الشعبية”.
1. خدعة ضرب الرأس بآلة حادة
كان المجذوب يوهم الناس بأنه يضرب رأسه بسكين أو عمود حديدي دون أن يتأذى. يقوم هذا الاستعراض على:
استخدام أدوات مخصصة لهذه الخدع أو مصنوعة بطريقة تجعل الحافة عريضة وليست حادة
الضرب على مناطقة كثيفة مثل قمة الجمجمة المغطاة بالشعر
الاعتماد على زاوية العرض بحيث يبدو للمتفرج أن الضربة مباشرة
تشير دراسات الأنثروبولوجيا الشعبية إلى أن هذه الخدع تُمارس أيضًا في شمال أفريقيا والهند .
2. تمرير الإبرة في الجلد
إحدى الخدع الشائعة التي تعتمد على:
ثقب الجلد في نقطة سبق معالجتها واستخدام مسار قديم في الجلد
اختيار أماكن قليلة الأعصاب مثل جلد الذراع الخارجي أو البطن
إظهارها ككرامة أو حماية روحية
3. المشي على الجمر
يعتمد على مبدأ علمي معروف:
الجمر سطح قليل التوصيل للحرارة
بقاء القدم مدة قصيرة على السطح
الترطيب الخفيف للقدم قبل البدء
4. أكل الزجاج أو المعادن
في الواقع لا يتم أكلها حقيقة. إنما:
تُستخدم قطع رقيقة من الزجاج السكري
يتم الضغط عليها في الفم دون ابتلاع
تظهر وكأنها تُؤكل
هذه الحيلة معروفة في عروض الـ Fakirs في جنوب آسيا، وقد تأثر بها كثير من المتجولين في البلاد العربية عبر القرون.
5. خدعة إدخال الفأس في الرأس
من أكثر الخدع التي حيّرت سكان الأرياف اليمنية ما كان يُعرف بـ “ضربة الفأس”، حيث يبدو المجذوب وكأنه يُغرس فأسًا في رأسه دون أن ينزف أو يتألم، بينما يبقى واقفًا وكأن شيئًا لم يحدث. غير أن هذا المشهد، الذي كان يُروى بوصفه “كرامة”، هو في الحقيقة خدعة مدروسة بعناية تقوم على مزيج من التلاعب بالأداة وزاوية الرؤية والبنية التشريحية للجمجمة. فالفأس المستخدم غالبًا ليس حقيقيًا بالمعنى الحرفي، بل هو أداة مصنوعة خصيصًا بعرض حافة أعرض مما تبدو عليه من بعيد، أو مصنوعة من معدن مطروق يُظهر لمعة السلاح دون امتلاك حدّ قادر على الاختراق. أما الضربة ذاتها فتوجَّه إلى قمة الجمجمة، وهي المنطقة الأكثر صلابة في الرأس، حيث يلتقي العظم الجبهي بالقذالي، وتتحمّل صدمات غير حادة إذا نُفذت بسرعة وزاوية مناسبة. وإلى جانب ذلك، يعتمد الاستعراض على تعشيق حافة الفأس داخل الشعر الكثيف أو غطاء الرأس، بحيث يبدو السلاح ثابتًا في مكانه دون أن يلامس الجلد فعلًا. هذا النوع من الإيهام البصري موثّق في دراسات الخدع الشعبية لدى “الفقراء” والمتصوفة المتجولين في جنوب آسيا وشمال أفريقيا، كما تناوله باحثون في الأنثروبولوجيا الثقافية ، الذين بيّنوا أن الدماغ البشري يكمل المشهد وفقًا لتوقعاته المسبقة حول القدرات الخارقة أكثر مما يرى الواقع نفسه. بهذه الطريقة، تتجسد “ضربة الفأس” كأحد أبرز الأمثلة على كيفية توظيف الخدع البدنية في السياق الديني الشعبي للحصول على القبول الاجتماعي والصدقات، لا بوصفها كرامة فعلية أو قدرة خارقة.
ومثلها حيلة استخراج الثعابين من البيوت وهي تقوم على ان المجاذيب لديهم ثعابين بدون انياب يخفونها في ملابسهم وحين يدخلون المنازل يخرجوها بطريقة سريعة من ملابسهم وخاصة في الأماكن القليلة الإضاءة لإيهام الاخرين انهم استخرجوها من البيت وكله خداع.
ثالثًا: لماذا صدّق الناس هذه الخدع؟
1. ضعف التعليم وغياب التفسير العلمي
قبل التعليم الحديث، كانت القدرات البدنية غير العادية تُفسر على أنها:
حماية من الأولياء
كرامات صوفية
إشارات دينية
2. مكانة الأولياء والتصوف الشعبي
الشيخ أحمد بن علوان كان شخصية مركزية في الوجدان الديني اليمني، وتُنسب إليه كرامات كثيرة في التراث الشعبي. ولذا فإن أي شخص يدّعي الانتساب إليه كان يحظى بقبول واحترام.
3. الحاجة النفسية للمقدّس
رغبة المجتمعات الريفية في رؤية شيء خارق أو مختلف يجعلها أكثر قابلية للإيمان بالخدعة.
4. فقر البدائل الترفيهية والمعرفية
لم يكن هناك مسرح أو إعلام أو أنشطة ثقافية، فكانت العروض الجسدية وسيلة نادرة للدهشة.
رابعًا: قراءة نقدية للظاهرة
1. بين التصوف الحقيقي والتصوف الشعبي
المصادر الصوفية المعتمدة لا تُقر هذه الممارسات ولا تعتبرها كرامات. بل إن معظم الطرق الصوفية تؤكد على:
الأخلاق
السلوك
تزكية النفس
الابتعاد عن الخوارق المبهرة
وقد أشار الباحث جيرالد ر. هوارث في دراسته حول الطرق الصوفية اليمنية إلى الفرق الواضح بين التصوف العلمي والتصوف الشعبي.
2. الخدعة كعملة اقتصادية
لم يكن المجذوب مضطرًا للعمل التقليدي. بل كان يعتمد في حياته على:
الطعام
الحبوب
الصدقات
مقابل عرض بسيط يجذب الأنظار. ولو كان يمتلك قدرات خارقة لما احتاج إلى الطواف بالقرى وطلب منهم الأموال والحبوب والإحسان.
3. توظيف الدين لبناء سلطة رمزية
المجذوب كان يستفيد من الاحترام الاجتماعي الذي يحصل عليه بسبب نسبته لابن علوان أو لأحد الأولياء.
خامسًا: تراجع الظاهرة
مع انتشار التعليم ووسائل الإعلام، تراجعت هذه الممارسات في غالبية القرى اليمنية. وقد سجّلت الدراسات الميدانية الحديثة في جامعة صنعاء (2020) تقلص الظاهرة إلى نسبة محدودة جدًا في المناطق البعيدة.
وختاما، لم تكن الخدع التي مارسها المجاذيب في القرى اليمنية ظواهر فوق طبيعية، بل كانت تقنيات بدنية وبصرية بسيطة تم التدرب عليها حتى الاتقان جاءت في سياق تاريخي يتسم بضعف التعليم وسيادة الدين الشعبي. وقد وفّرت هذه الخدع لأصحابها مكانة اجتماعية ومصدر رزق، بينما قدمت للناس شكلاً من الترفيه الرمزي. ومع تطور الوعي والتعليم، انحسرت هذه الظاهرة، وبقيت جزءًا من ذاكرة المجتمع الريفي وثقافته الشعبية.
الصورتان المرفقة لمجاذيب التقطها الفوتوغرافي عبدالرحمن الغابري عام 1980 في يفرس تعز ونشرهما قبل قليل على صفحته في الفيسبوك
للكاتب: إبراهيم الهجري
مجلة أقلام عربية الأدبية aqlam.de معاً نرتقي بفكرنا
