(قراءة تحليلية لنص ” مِنْ أَنيْنٍ “) للشاعرة / نجاة شمسان

قراءة تحليلية لنص ” مِنْ أَنيْنٍ ” للشاعرة / نجاة شمسان

مِنْ أَنِيْنٍ

يا عزيفُ المُــنى إلى أينَ تجــــري؟
و الضِّــيا ينبري على كـفِّ صخــــرِ
….
ودروبٌ حيــرى كأعْمى خطــاهــا
وكأنّــا نمــضي بعــينِ (المــعرّي)
….
كلّنــا تــاهَ فــــــوق آهِ دمــــــانــا
خطْونا فــــوقَ ألْــفِ تيــهٍ و بئْــرِ
….

وطنٌ يشْــــربُ اللَّظــــى كيفَ ينْأى
عنْ ذئــابٍ تنْسلُّ من كلِّ و كْــــرِ
… .
تحت مــزْنِ الأســى تــوارى سنَــاهُ
مثْـخنــاً كالجريحِ في جوفِ أسْــرِ
… .
غادرَ الأفْقَ تــاركاً حشْــرجاتٍ
تتلاقى والسّعْدُ في لحْدِ قبــرِ
… .

و رنــا طــالــعُ الدُّجى مشْرئــبٌّ
وهــوى كالنّــسور للمــوتِ يغري
… .
ملْءُ راحِ الطُّغــاةِ منْــــه اخضرارٌ
و شعوبٌ ترعى على سفحِ جمْــرِ

حين أغْفــى على العيــونِ اصْفرارٌ
لمْ يقلْ لي أنّ المُنى كوبُ خمــرِ

لمْ يقلْ لي أنّ الصَّدى صوتُ قلْبٍ
عالقٍ فــي الجــراحِ في ناب قــفرِ
… .

يا بــلادي : وأطْبــــقتْ مقْلــتَيــها
مــنْ أنيــنٍ يــضجُّ في كلّ صــدْرِ
… .
إنّــني و البــــلادُ قلْــــبٌ تلظّــــى
في دمـانـا سياحةُ الموتِ تسْري
… .
نرْتجي النَّورَ يبْــتدي ألْفُ ليلٍ
موحشٍ يرْتمــي على كلِّ شبــرِ
… .

كيف أروي هديــرَ قلْــبٍ تــلوّى
وانطوى حزْنــُه على كلّ سطرِ

لستُ أدري هلْ ألْفةُ الحزن بي أمْ
أجْهشَ الدَّربُ في صِبا ليس يدري
… .
نجاة شمسان

////////////////////////////////////////////

تنطلق الشاعرة نجاة شمسان من بؤرة الأنين تكتب الأشجان حروفا وترسم المعاناة لوحات عانية تدفق صهير المشاعر في وادي الحسرات تبكي أمة جاثية في الكارثة ووطنا يحسو عصارة الخبال ما فتئت تترجم اللوعات وتساجل كرات الألم ترحل في درب القيامة تبث الشكوى وتنث الزفرات .

تبكي بكاء الثكلى وتهل الدموع باحترار الجفون مازالت عوامل الاحتراق تشعل الحنايا بوقود الفحم الحجري تتراءى في شفق الوطن مسحة من حزن وفي ضحاه دمعة ثكلى وفي أصيله هزارا باكيا وفي ليله ضجة من أنين المحبين .

ما انفك الألم يحتل حرفها يضعها في صهارة القصيد فراشة محترقة وفي ضرام الحرف طائرا من أساطير البوح تغني للوطن حتى آخر ذرة في الحياة تقف عن كثب تهاصر الكحل وتمطر المآقي تحاول إطفاء الطوفان .

ظلت تنوء بحمل النوائب كأنها خنساء الثكل وبلقيس السلم وأروى الحنكة والقيادة وخولة البسالة والتضحية وعذراء جاكرتا التجييش والثورة .

تسبر عمق التجربة من خلال استلهام الوطن بتجسيد آلامه وعرض مآسيه وقياس زاوية السقوط واحتراف مسبار العمق ما فتئت تمد وتجزر في ساحل الوطن تبحث عن طريق للنجاة تمد حبال الإنقاذ وتدعو إلى السلم وتصرخ محذرة من الهواية .

[ مِنْ أَنِيْنٍ ]

عنوان مطلق يفتح الباب على مصراعيه للألم شبه جملة تبعد عن التحديد لها متعلقات محذوفة تغرق في تنكير الأنين الأمر الذي يزيد من جهالة المأساة وصعوبة الإمساك بها والسيطرة عليها إنه عنوان يعبر عن شيوع مطلق للحزن يمد بأذرع كثيفة تطلع من زوايا مجهولة تضاعف المآسي وتزيد من الألم والحسرات عنوان يتهاصر مع بعد الكارثة حالاً ومآلاً يشد بؤر النوائب عن أبعاد أسطورية تتجذر بصمود في زوايا الحدث الجاثم .

انطلقت الشاعرة من هذا العنوان تعبر عن الحدث تسافر في أحراش الحزن تقطع ثكنة الألم تجدف في بحار الأنين .

ما فتئت تترجم واقع الوطن من خلال ذلك العنوان ترمي بإيحاءات كثيفة تقارب الأبعاد الشاعرية والهيكل البنائي للنص حيث تطل من خلاله مرآة مستوية تعكس الأحداث وتجسد الحقيقة بعيدا عن التقعر والتحديب .

ولجت الشاعرة إلى النص وهي تجدف على البحر الخفيف حيث نظمت دررها من خلال هيكله البنائي برحابة الفكر وانهمار العواطف فالبحر الخفيف بتردداته الموجية المتوازنة مكن الشاعرة من تعميق أفكارها وهرق عواطفها باتزان حيث جاءت الأبعاد الفلسفية تجمع بين بعد الرؤية وجمال الشاعرية تحفز الخطاب الرسالي بتقنية الإشارة والإيحاء توظف الرمز والصورة بتكامل استنطاقي يستبطن تيمات الحزن ويقظة الوعي من خلال إدراك التصادمات السيكلوجية والبيئية .

فالشاعرة ترصد الواقع المؤلم عن كثب وترصد الحدث بتجليات شاعرية تتكئ على إجمال الفكرة واختزال اللفظ من خلال الإشارات الدلالية التي تجمع بين إيجاز الجملة وبلاغة الصورة .

وعلى صعيد القافية اتخذت الشاعرة رويا موسيقيا يربط بين إيقاع النفس واللفظ يتمثل في حرف الراء ذلك الحرف العاني الذي يتعامل مع موجات الحزن بتراجيدية المد والجزر حيث يوقع الألم في ثنائية ارتدادية ما بين عالم البيان ومنتجه .

وحينما اختارت الشاعرة علامة الإعراب جعلتها مكسورة وهذا الاختيار قد يتم بوعي أو بدون وعي فالطبيعة الشاعرية تستجيب للاحتياجات نتيجة للإيقاع الانفعالي المتسق مع مضمون العلامات بطريقة جبرية تتواءم مع الحالة النفسية المتناظرة مع البيئة الخارجية حيث نلحظ ثنائية الانكسار ما بين العالم النفسي والعالم البياني فالنص وليد شرعي لروح الشاعرة وأفكارها ينبعث مصاحبا للشعور فرحا وحزنا وابتهاجا وانكسارا وتفاؤلا وتشاؤما .

ولما كانت نفسية الشاعرة تعيش حالة انكسار نتيجة الألم والحسرة المتولدين من حال الوطن كان من المناسب لهذا الانكسار النفسي مجيء القافية مكسورة لينتظم الإيقاع ما بين الناص ومنتجه في علاقة تبادلية تجسد الحدث نصا وروحا .

يا عزيفُ المُــنى إلى أينَ تجــــري؟
و الضِّــيا ينبري على كـفِّ صخــــرِ
….
ودروبٌ حيــرى كأعْمى خطــاهــا
وكأنّــا نمــضي بعــينِ (المــعرّي)
….
كلّنــا تــاهَ فــــــوق آهِ دمــــــانــا
خطْونا فــــوقَ ألْــفِ تيــهٍ و بئْــرِ

استهلت الشاعرة نصها بأسلوب إنشائي تمت مزاوجته بأسلوب خبري فالبعدان بين ثنائية الإنشاء والخبر تنتجان الطاقة المستهلكة في صدر البيت وعجزه حيث جاء النداء :

“يا عزيفُ المُــنى” . والاستفهام
” إلى أينَ تجــــري؟ ” .

يقربان الحالة النفسية للشاعرة في أفق الافتتاح حيث يحملان دلالات بلاغية تعمقان الألم والحسرة في رحلة الحرف العاني فالشاعرة تحمل رصيدا من قيم الإدراك ترصد المشهد الحزين بافتتاحية تتهاصر مع البعد السيكلوجي تمزج بين الأساليب بانفعال احترافي يسجل القدرة التعبيرية في إطار الحدث الراهن
فثنائية النداء والاستفهام ولدتا أجواء غائمة ترسم البيئة الزمكانية في رحاب الحرف نشهد من خلالهما تلبد غيم الأسى والحسرة وانهمار الألم في أفق الشاعرة بقدر هاضب .

أما الشطر الثاني من بيت الاستهلال فقد ضمنته الشاعرة رمزين حائرين ينثان الدهشة والاستغراب في زمكان الوطن الواقف في رهان الاستبداد حيث جسدت رمزي :

“الضياء” و”الصخر” .

ليعبرا عن حالة السقوط في أكف الجبابرة حيث جسدت :

” كف الصخر ” .

التي رمزت بها للاستبداد والتي عملت بإرادة منحرفة على تحييد مسار “الضياء” وفق خطط وأهداف الديناصورات المتحجرة كون الضياء رمز للحرية والأمن والسلام فالصورة البلاغية :

” كف الصخر ” .

ترسم لوحة للحيتان الكبيرة التي تبتلع ما دونها في الحجم وتقوم بحمى الأجواء والبيئات وإخضاعها لملكيات خاصة حيث جاءت صفة الصخر صورة جزئية تضخم حدث القلب المتحجر الخالي من الحب والرحمة فالصورة ذات بعد بلاغي تصف القلب في سلوك جزئي يضخم الكلية من خلال سلوك الجسد واحتراف العمل .

ودروبٌ حيــرى كأعْمى خطــاهــا
وكأنّــا نمــضي بعــينِ (المــعرّي)

جاء أسلوب الشاعرة في البيت الآنف يصف الحدث بثنائية الخبر
وتأكيده حيث صورت الدروب الحيرى كأعمى ولم تكتف بذلك التشبيه بل أكدته بصوة أخرى أكثر عمى وحيرة حيث أنابت الشاعرة عن الحركة الإنسانية وسلوكها الحائر بالدروب المضللة ثم عبرت عن المسبب بالسبب لترسم خارطة التيه بأبعادها الإنسانية والمكانية .

فالشاعرة بحدسها الشاعري تعبر عن الحدث بإيحاء استطرادي يؤلف الصورة ما بين الخيال والواقع يؤازر الدلالة السيميائية بقيم التعالق والالتحام .

فالعلاقة بين الدرب الحائر والأعمى علاقة تشابهية تتكئ على مسار منحرف يضلل الوجهة ويفقد الإدراك حيث يتم السلوك بعيدا عن اليقين الجازم في ظلام جائر يضلل العين الباصرة ويتوه الخريت الماهر .

فثنائية التشبيه :

” كأعمى – كأنا ” .

جسدت الالتفات بين الغائب والمتكلم حيث أرادت الشاعرة تأكيد الحيرة بأساليب بلاغية تجمع بين العموم والخصوص والاجمال والتفصيل والغائب والمتكلم .

فثنائية المكان والإنسان شاخصتان بحضور في صورة الشاعرة تتكامل بتأكيد يجمع بين العمى العام وعمى “المعري” حيث تم إسقاط حيرة المكان من العمى العام وحيرة الإنسان من رمزية عمى المعري .

فالمعري رمز اعتباري فخم الاسقاطات والمضامين في إطار العمى الإنساني الناتج من فقد البصر .

حيث تتشابه حالة الوطن المحبوس في رهان الحرب اليائس من الانفراجات بحال رهين المحبسين أبي العلاء المعري .

كلّنــا تــاهَ فــــــوق آهِ دمــــــانــا
خطْونا فــــوقَ ألْــفِ تيــهٍ و بئْــرِ

تصل الشاعرة في البيت الآنف إلى تعميم التيه تأكيدا للحيرة والعمى السابقين فكلمة ” كلنا ” تعبر عن عموم اعتباري تم إضافتها إلى نا الفاعلين لتجسد الجملة الخبرية :

“كلنا تاه ” .

حيث جسدت ثبوت واستمرار متاهة البلاد وطنا وإنسانا وهذا ما يؤكده المشهد ويلمس من خلال الواقع .

فالشاعرة تمضي تفلسف رقعة المتاهة برؤى عميقة تنبعث من إيقاع النبضات وضخ الأوردة والشرايين حيث جاءت شبه الجملة :

“فــــــوق آهِ دمــــــانــا” .

تترجم الامتازج الأسطوري المتأصل للمتاهة كونها تجري مع خلايا الدم حيث توقع المشاهد مع دقات القلب ونبضاته فالأمة تتنفس الآهات من خلال الزفرات والشهقات وهذا المنحى السريالي للتصوير البياني يضخم المأساة ويفاقم من رهانات الحدث .

حيث تؤكد الشاعرة ظاهرة المتاهة من خلال الخطى العابرة نحو غير الوعي تتربص بها الكمائن في كل اتجاه من خلال رمزية :

” البئر ” .

بإسقاطاتها المتغولة إضافة إلى تعدد مسارات التيه التي عبرت عنها الشاعرة :

” بألْــفِ تيــه ” .

فالشاعرة تعبر بإيحاء متعمد عن وحش المتاهة تسلك سبيل الانزياح المتعامد مع الدهشة والمفارقة .

وطنٌ يشْــــربُ اللَّظــــى كيفَ ينْأى
عنْ ذئــابٍ تنْسلُّ من كلِّ و كْــــرِ
… .
تحت مــزْنِ الأســى تــوارى سنَــاهُ
مثْـخنــاً كالجريحِ في جوفِ أسْــرِ
… .
غادرَ الأفْقَ تــاركاً حشْــرجاتٍ
تتلاقى والسّعْدُ في لحْدِ قبــرِ

تتحدث الشاعرة هنا عن حال الوطن المتربص به تبرز آلامه بوصف يقارب بين اللظى والسائل حيث أنزلت جمالات اللهب منزلة المشروب وهي بهذا المنحى الاستعاري تعبر قنطرة الانزياح لخلق لحظات الدهشة والمفارقة من خلال فتق اللغة والتعبير غير المباشر عن المضمون لترسم حدود عمق الدلالة والخروج عن روتين التلقائية والمباشرة .

حيث تأتي الجملة الإنشائية بماهيتها الاستفهامية :

” كيفَ ينْأى؟ ” .

تعبر عن دلالة بلاغية تفيد التعجب والدهشة عن استحالة بعد الوطن عن طوق الحصار حيث رمزت بالذئاب للديناصورات الانتهازية وتجار الحروب ومافيا الدولة العميقة في داخل الوطن وخارجه .
فالشاعرة ترصد الحدث عن كثب تعبر عن المشاهد المسطرة عن يمينها وعن يسارها ومن أمامها ومن خلفها حيث تنظر إلى الوطن الواقع في فوهة الخطر محاصرا بثنكات الرعب برا وبحرا وأرضا وسماء .

ثم تستمر في هرق لوعات الأسى مستخدمة أبجديات الصورة وتحليقات الخيال بتسويات مكانية تحدد بؤر الكارثة من خلال الصورة الآسية :

تحت مــزْنِ الأســى تــوارى سنَــاه

حيث حدد ظرف المكان :

” تحت ” .

بؤرة المأساة فجاءت مزن الأسى تمطر البؤس والقهر في طوفان عات جعل سبحات النور تتوارى عن مسابحها تاركة مكانها لطغيان القهر يعبث بمقدرات الوطن وأمنه واستقراره .

(مثْـخنــاً كالجريحِ في جوفِ أسْــر)

الحال ” مثخناً ” حدد هيئة الوطن المطعون بالغدر حيث آزر الحال الصور التشبيهية :

” كالجريح ” .

الواقعة في إطار الظرف الضمني لشبه الجملة :

” في جوف أسر ” .

فالتآزر بين الحال والصورة وشبه الجملة ضخم من مأساة الوطن في دائرة التآمر الداخلي والخارجي .

غادرَ الأفْقَ تــاركاً حشْــرجاتٍ
تتلاقى والسّعْدُ في لحْدِ قبــرِ

ترسم الشاعرة هنا صورة مأساوية جديدة للوطن وهو يغادر الأفق في صورة طائر جريح تداعت عليه الطيور الجارحة حيث خلا الجو منه إلا من حشرجات الأنين التي يرتد صداها من زاوية إلى أخرى في محيط الأفق الحزين فالشاعرة من خلال هذا التنوع الأسلوبي للصور البلاغية تريد تكثيف الخطاب الدلالي لتأكيد الحال الكارثي الذي يعيشه الوطن في رحلة التيه الممتزجة ببؤر الرعب والحرب والتشريد .

حيث تصل إلى النتيجة المرعبة التي أحلت الوطن في زوايا مظلمة من ضيق اللحود وهرطقات المقابر .

” والسّعْدُ في لحْدِ قبــرِ ” .

فالشاعرة بهذا الحد تصل إلى آخر نقطة في خارطة الكارثة حيث تحدد نهاية الرواية ملخصة الحدث بتراجيدية مؤلمة تكشر عن زوايا المصير بتشخيص درامي يكثف من رحلة التثاقل نحو اليأس والإحباط .

و رنــا طــالــعُ الدُّجى مشْرئــبٌّ
وهــوى كالنّــسور للمــوتِ يغري
… .
ملْءُ راحِ الطُّغــاةِ منْــــه اخضرارٌ
و شعوبٌ ترعى على سفحِ جمْــرِ

تقف الشاعرة في البيتين الآنفين تشخص الزمان حيث تجعل من رمزية الليل صورة تتبلور عن نسر جائع يرقب الجثث عن كثب حيث تضخم هذه الصورة حال الوطن في رهان الموت تجسد واقع الحرب تحت دخان المعارك تبرز واقع الحقد والجهل وانفجار بؤرة الطوفان في ليل دائم يرقب الحرب العوان الدائرة ويحصي عدد القتلى بصمت وارتياب .

حيث تتناص الشاعرة مع نسور النابغة الذبياني في مدح الغساسنة :

إذا ما غزوا للحرب حلق فوقهم
عصائب طير تهتدي بعصائب

غير أن نسور النابغة نسور حقيقية تترجم شجاعة ممدوحيه في حال غزوهم لأعدائهم يتركون الجثث وليمة تتناهشها النسور في إطار جغرافية المعركة باصطفاف بطولي وجها لوجه وندا لند .

أما نسر الشاعرة فهو نسر رمزي يعبر عن الليل المطبق في زمن ضحايا الإرهاب يترجم همجية الأحداث المتفاقمة بأبعادها المأساوية في نطاق خارطة الغدر والمكر والانتهازية .

(ملْءُ راحِ الطُّغــاةِ منْــــه اخضرارٌ ) .

نلحظ هنا عودة الضمير المتصل المجرور ” منه ” إلى رمز الدجى في البيت الذي يسبقه حيث تتعلق شبه الجملة الجار والمجرور بالمصدر “ملء” حيث تتحدد الصورة الآنفة في هذا الشطر بصورة تجريدية ترمز لأكف الطغاة وهي تمتلئ باخضرار من طالع الدجى حيث صاغت الشاعرة الصورة بعمق شاعري يتكئ على فلسفة تمتزج بإيحاء وتأويل حيث تقرب الحجم اللوني الذي يقاس بحاسة البصر وتنزله منزلة الحجم الذي يقاس بحاسة اليد حيث رمزت بالاخضرار لتلك الحالة المتولدة من زرقة الدماء في إطار التعذيب الجسدي حيث نقلت الحال من جسد الضحية إلى راح الطغاة بعلاقة السببية وعبرت عن الراحة وتريد اليد من قبيل المجاز المرسل ” الكلية ” .

(و شعوبٌ ترعى على سفحِ جمْــرِ )

نلحظ هنا ارتباط العلاقة بين راح الطغاة المخضرة بعوادم الدجى وبين رعي الشعوب على سفح الجمر بقانون الأسباب والمسببات في رهان الحدث المتنامي حيث ربطت الشاعرة بين صدر البيت وعجزه بواو العطف فالصورة الآنفة تجسد مهانة الشعوب وتعذيبها بالمساغب والمجاعات تحت ظل التحكم الاستبدادي الناتج من تضخيم الدياجي التي رمزت بها الشاعرة لحال الاستبداد والظلم .

حين أغْفــى على العيــونِ اصْفرارٌ
لمْ يقلْ لي أنّ المُنى كوبُ خمــرِ

لمْ يقلْ لي أنّ الصَّدى صوتُ قلْبٍ
عالقٍ فــي الجــراحِ في ناب قــفرِ

تقف الشاعرة هنا في فارق القصيدة تتفئ ظلال الفلسفة ترسم أبعاد الخيال في مسافة الضوء تهاصر المنى وتتضايف مع اللون تحلم في يقظة القلب تجدف إرهاسات المشاعر في كفها مراحل المدى وفي حناياها دوامات العواصف تنثال بالأشواق في مدن الصدى .

كل الخواطر تمتد آسية تتكئ في ركن الروح تشف عن قلق ضان وتحس بتوتر حائر ترتد قليلا عن مسار النص لتقيس استعراض الفكرة وتستنزف نهر العواطف حيث تنظر بتأمل في الأفق الغامق ثم تسبر العمق الروحي للقصيدة فتبزغ شمس الحكمة في مجال مفتوح .

(حين أغْفــى على العيــونِ اصْفرار)

إنها تقرأ لغة العيون في مسار العاصفة تكشف عن ظاهرة غريبة ترقد في المقل تتخذ من رمز اللون الأصفر كائنا وافدا يستحل الضوء ويمتص البشاشة يشوه اللحاظ بإغفاءة حزينة تشل اليقظة وتجمد الانتعاش مازال الانحراف الانتهازي يمتص الكحل ويميت الحياة يرسم أوابد الكارثة في شفق النظر فتنحرف المقاصد عن درب الجمال .

حيث نلمس الشاعرة وهي ترصد البعد السريالي للصورة في مصارف البؤس فيتضخم التشويه في العين الباصرة من تولد اللون الأصفر .

تمضي تجرد الصورة المرعبة برمزية تعكس حال الأمة وتشوهها في رهان الحدث حيث تتراءى معالم الوحشة في نظرات الأمة في مشهد بائس يحكي علامات الموت وصراخ المقابر .

(لمْ يقلْ لي أنّ المُنى كوبُ خمــر)

هنا يرتد واقع الخطاب لدى الشاعرة من علامات الحدث في صورة انتخابية تفترض إيحاء الإجابة من الحال الراهن .

حيث يعزز الأمر الواقع من احتراف النوائب في مصب حاد يجرف مقومات الأمل ليقتل روافد الحب ويهدم وسائل العيش الكريم .

حيث نلحظ اجترار غفوة الاصفرار لحال الدهشة فتمرق المفارقة من جلابيب اللحاظ في مشهد تتداعى فيه الرؤى الحالمة وينفرط عقد الإبصار .

فليس اللون الأصفر الغافي في العيون إلا فارقا من لحظات الموت السريري ورعبا من زوابع الخوف والاحتضار .

(لمْ يقلْ لي أنّ الصَّدى صوتُ قلْب)

مازالت غفوة الاصفرار تفجر المواقف تسارع من احترار الأحداث فلسان حالها يبعد عن تجسيد الأماني وارتشاف كأس الخمر وهي تبعد عن صدى الحياة وصوت القلب الوارف مازال صوتها الوحشي يجلجل عبر الزمان والمكان يعبر عن الكارثة وتخدير الأمة في مزاد المنون .

حيث تعبر الصورة :

“صوت القلب” .

عن خفوت العقل في زحام ضوضاء الفوضى وتضخم الأنانيات والأثرة كذلك تعبر عن الحب المحاصر بشظايا اللهب في سباق الجشع والانتهازية .

(عالقٍ فــي الجــراحِ في ناب قــفرِ )

هنا نلمس لحظات الدهشة والمفارقة الناتجان من التشخيص السريالي لمشهد الوطن الغارق في سيل الدماء فالشاعرة تشخص الصورة بثنائية :

” الجراح – القفر ” .

حيث تربط بين تداعي النسيج الاجتماعي وتوحش الصحراء فناب القفر يعبر عن قسوة القلوب وانهيار حصون الحب حيث يتضخم الصراع وينقلب الواقع إلى هيجاء التكشير والتوحش .

يا بــلادي : وأطْبــــقتْ مقْلــتَيــها
مــنْ أنيــنٍ يــضجُّ في كلّ صــدْرِ
… .
إنّــني و البــــلادُ قلْــــبٌ تلظّــــى
في دمـانـا سياحةُ الموتِ تسْري
… .
نرْتجي النَّورَ يبْــتدي ألْفُ ليلٍ
موحشٍ يرْتمــي على كلِّ شبــرِ

في هذا المقطع الآنف تصل الشاعرة إلى قمة الانفعال تسجل أقصى درجة الحزن حيث تتجسد تيمة الألم بأبعادها الكارثية من خلال توحد الشاعرة بالوطن قلبا وقالبا في رحلة صوفية ترسم ضنى الألم بتجاذب روحي يولد الصلوات القانتة في محراب حزين حيث يمتزج المصير بالمصير في رحلة القدر الهادر في مسار الحدث الجارف .

حيث يأتي النداء :

” يا بــلادي ” .

بأسلوب يضيف البلاد إلى ذات الشاعرة المتجسد بياء المتكلم مع اقترانه بأداة البعد ” يا ” لتضخيم الخطاب حيث يحمل الأسلوب الإنشائي كما هائلا من الدلالات غير المنتهية تحمل ركام الأسى وتلال الحسرات .

بعد ذلك الأسلوب الإنشائي نلحظ عطف الشاعرة للأسلوب الخبري المتجسد في الجملة الفعلية التالية :

” وأطْبــــقتْ مقْلــتَيــها “

حيث تم المزاوجة بين الأسلوبين في صدر البيت لتوظيف الدلالات البلاغية من حيث إبراز أبعاد الألم والحسرة وتحميل الأسلوبين اكتنازات النداء والصمت الحاصل عن إطباق المقلتين .

فالصورة الحزينة الماثلة في إطباق المقلتين تجسد “مونولوج” داخلي يومض بإيحاءات متعددة تعبر عن حال البلاد المثخن بالجراح .

حيث رفضت الكلام وعبرت عن الصمت بقفل المقلتين لأن بين ثنائية البصر والكلام تآزر مزدوج فلا يتم خطاب الكلام إلا بخطاب البصر .

فالشاعرة تدرك بوعي صدمة البلاد واستعجامها عن الإفصاح والشكوى كون الكلام لا يجدي في ظل اجترار الأنين واستبداد الديناصورات بمقدرات الحياة .

( مــنْ أنيــنٍ يــضجُّ في كلّ صــدْر )

هنا قدمت الشاعرة الجار والمجارور :

” مــنْ أنيــنٍ ” .

لتأكيد الاهتمام بالمتقدم في إطار زحمة الألم حيث تتعلق شبه الجملة الآنفة بالفعل المضارع :

” يــضجُّ ” .

ذو الدلالة المستقبلية فالشاعرة من خلال هذا الأسلوب تضخم الحدث في إذن المتلقي لإيصال رسالة الوطن بكل أبعادها المأساوية .

إنّــني و البــــلادُ قلْــــبٌ تلظّــــى
في دمـانـا سياحةُ الموتِ تسْري

بين أداة التأكيد ” إنّــني ” والعطف
” البــــلادُ ” عامل مشترك يجسد التوحد والامتزاج في رؤية صوفية مطلقة تقارب الحدث ما بين الشاعرة والبلاد في إطار القلب الواحد بشبكته المتفرعة من الأوردة والشرايين حيث جاء خطاب الالتفات يزاوج ما بين ياء المتكلم ونا الفاعلين .

فالشاعرة تتبادل الأحاسيس مع الوطن بإسقاطات شاعرية نتيجة حبها للبلاد فيسري الحدس التلباثي يولد الألم في الحالتين كون الإنسان جزء من الوطن يتأثر بحدث المكان والزمان في إطار البيئة المحيطة .

حيث تعمم الشاعرة الاحتراق وسياحة الموت ما بين الوطن وذاتها الشاعرة حيث يتم التوحد وعقد المصير باشتراك روحي وجسدي يبرز من خلال القلب والأوردة والشرايين .

نرْتجي النَّورَ يبْــتدي ألْفُ ليلٍ
موحشٍ يرْتمــي على كلِّ شبــرِ

بين الفعلين ” نرتجي – يبتدي ” تضاد حالي يظهر من خلال :

” النور – الليل ” .

فالشاعرة تبرز الحدث من خلال المتضادات ليتجلى المشهد بصورة واضحة ما بين الخير والشر والأمل واليأس فاحتدام المعركة ما بين النور والظلام مستمرة بصورة آلية تجسد التصادم الأسطوري في رحاب الوطن .

والشاعرة بهذا تصف الحدث بالتثاقل تجاه الليل حيث تعلن عن كثافة الوصف بفارق العدد النسبي ما بين النور والظلام بنسبة واحد إلى الألف حيث تتغلب جيوش الظلام بعنصريتها على سبحات النور بزحف طاغ يجسد الهمجية وعنجهية الطغيان .

فالليل في رؤية الشاعرة يتمدد بصورة أسطورية محتلا أروقة الحياة بكل أبعادها الإنسانية حيث تصور الليل يزحف كوحش هادر يشغل كل شبر في مساحة الوطن بفعل سيطرة عدوانية تفاقمت بسيل الدماء وازدحام المجاعات .

كيف أروي هديــرَ قلْــبٍ تــلوّى
وانطوى حزْنــُه على كلّ سطرِ

لستُ أدري هلْ ألْفةُ الحزن بي أمْ
أجْهشَ الدَّربُ في صِبا ليس يدري

تختتم الشاعرة نصها بنفس حزين يجسد الألم والحسرات ويسكب اللوعة والضنى يمتد بامتداد النص يتهاصر مع الإشارات والإيحاءات ويتآزر مع الصور والخيالات ثم يمتزج بالألفاظ والجمل .

فالشاعرة تعصر العواطف ديباجة وتبث اللأواء أسلوبا حيث تنهمر دجون العواطف في ثنايا الحروف تعبر عن لمسات الحزن وتجتر جمر الأسى تنث الصبابات العانية في خريف الحدث حيث تمتد مع إيقاع البحر وروي القافية .

( كيف أروي هديــرَ قلْــبٍ تــلوّى؟ ) .

ظلت الشاعرة تنصهر لوعة وحسرة في رهان الأسلوب الإنشائي الآنف حيث يجسد الاستفهام ثورة اللوعة الحقيقية يرمز لأزمة روحية تعصر الشاعرة وتضاعف من أناتها حيث تقف في مفترق الطرق وهي عاجزة عن إيجاد حل أو اختراع حيلة قد أعياها الأمر عن إيجاد وسيلة لإرواء القلب وإيقاف هدير المآسي .

فالاستفهام الآنف يحمل دلالات بلاغية مطلقة يتعلق بحال الشاعرة حسرة وألما وتعجبا ودهشة يعبر عن خلاصة الحزن ونهاية الرواية يترجم عواطف الشاعرة في إطار الصدق الفني ومدى تمثلها لضمير الوطن فرحة وبكاء .

( وانطوى حزْنــُه على كلّ سطر )

حيث يأتي عجز البيت الآنف يفسر إجمال الاستفهام التعجبي حيث تأتي الجملة الفعلية :

” وانطوى حزْنــُه ” .

تعبر عن دلالة حدث الانطواء بإسناده إلى الفاعل ” الحزن ” مع عودة الضمير المتصل الهاء بالحدث إلى القلب حيث يتآزر الربط النحوي والحقل الدلالي بثنائية متكاملة تعملان على تجسيد المضامين في إطار الإيحاء والإشارة .

حيث يجسد حدث الحزن عند الشاعرة متلازمة شعرية تسبغ الحروف بروايا الألم والحسرات تذوب في الحروف والجمل وتمتد مع التفكير والعواطف ثم تطير في أفق النص مع الصورة والخيال .

لستُ أدري هلْ ألْفةُ الحزن بي أمْ
أجْهشَ الدَّربُ في صِبا ليس يدري

نقف هنا مع بيت خاتمة النص حيث نرصد التعبير القلق والتركيب العاني للجمل والحيرة الظاهرة في أفق الدلالة فالشاعرة تلخص حدث الحزن بكارزمية الإجمال حيث تجمع بين همر المفارقة وثج الدهشة من خلال التساؤل الحائر .

” لستُ أدري ” .

جاءت الشاعرة بالفعل الناسخ ليس مع اسمه وخبره لإفادة نفي العلم على سبيل الدهشة والحيرة ثم جاءت بالاستفهام الحائر بدلالته البلاغية :

” هلْ ألْفةُ الحزن ؟ “

لتمزج بين أسلوبي الخبر والإنشاء في مسار التوحد الدلالي حيث زادت الأداة “أم” المرافقة للاستفهام ” بهل ” من تفخيم الحيرة وتعويم الحدث ما بين ذات الشاعرة والدرب .

ثم نلحظ أن الشاعرة هنا تبني الحدث من خلال التعدد الأسلوبي ورفد البيت بقيم دلالاية تعبر عن الصورة البلاغية والربط النحوي واختزال المضمون من خلال تقنية الإيجاز والقصر حيث ندرك المعنى بطريقة غير مباشرة بدلالة الإيحاء والإشارة .

وخلاصة الأمر أن نص الشاعرة يمتاز بالقومات الفنية التالية :

– وظفت كل إمكانياتها التعبيرية والفنية والبلاغية في سياغة النص ثم صبغته بعاطفة الحزن فجاءت التيمات تعبر عن الألم والحسرة .

– أتقنت المزج بين الشكل والموضوع بأسلوب يجمع بين التعبير والتجريد حيث جاءت الدلالات تنث بالإيحاء والإشارة .

– وقفت في رهان الحدث تتوحد بالوطن في رؤية صوفية مطلقة تقارب خيط الوصل امتزاجا وافتراقا .

– مزجت بين الخيال والصورة بانتظام احترافي يتكئ على التجديد بعيدا عن التقليد والسطحية .

– غمرت النص بشلالات العواطف المتضمنة للحزن والألم والحسرة في رحلة بكائية تشف عن عمق المصاب بكارثة الوطن .

– رفدت المضامين برؤى فلسفية عمقت الفكرة وتناءت عن السطحية والمباشرة .

– مزجت بين الإيقاع الداخلي والخارجي بموسيقى متوازنة تبعد عن الصراخ والبرود .

– اتكأت في بنية النص على الإيجاز وقصر الجمل حيث جاءت البنى ذات أبعاد دلالية تبعد عن الإسهاب والإطناب .

– مزجت بين الأساليب المتعددة خبرا وإنشاء وزاوجت بين دلالات الأفعال وحملت الجمل مضامينا بلاغية بعيدا عن المباشرة والتلقائية .

– استخدمت كثيرا من الرموز وحملتها دلالات ومضامين تتكئ على الثقافة التاريخية وتمتزج بالزمان والمكان تعبر عن إساقطات ومضامين النفس والإنسان والوطن .

24/3/ 2018م

إبراهيم القيسي

شاهد أيضاً

قصيدة ( شجن المساجد ) / شعر : ياسين عرعار – تبسة-  الجزائر

كَمْ دَمْعَةٍ سَجَمَتْ ، كَمِ ارْتَعَشَتْ يَدِي ! وَ القلْبُ  يَنْزفُ ..  حُرْقَةً  لِلْمَسْجدِ !! …