ابن الشِّبْل البغدادي (الحلقة مئتان وخمسون) / محمد عصام علوش

22154648_1940668632813864_1773029256349171231_n

  • ابن الشِّبْل البغدادي (الحلقة مئتان وخمسون) 

ابن الشِّبْل البغدادي هو أبو علي محمد بن الحسين بن عبد الله بن أحمد بن يوسف بن الشِّبل… من شعراء القرن الخامس الهجريِّ، هذا الرَّجل لم يكن شاعرًا فحسب، بل كان طبيب عيونٍ وفيلسوفًا وفقيهًا وفلكيًّا ونحويًّا ولغويًّا، قال فيه ياقوت الحمويُّ: “كان متميِّزًا بالحكمة والفلسفة، خبيرًا بصناعة الطِّبِّ، أديبًا فاضلًا، وشاعرًا مُجيدًا” وقال فيه ابن خلِّكان: ” وهو أحد شعراء العراق المُجيدين المتأخِّرين” أمَّا الصَّفديُّ فقد وصفه في ترجمته بالشَّاعر الحكيم، وقد أجمع معاصروه بشكلٍ عامٍّ على علوِّ منزلته في الشِّعر وفي طبِّ العيون معًا، وربَّما كان من أشهر قصائده وأطولها قصيدته الرَّائيَّة التي أثار فيها بعض التساؤلات الفلسفيَّة والقضايا الفلَكيَّة والتأمُّلات الفكريَّة فيما هو كائنٌ وما سيكون بعد فناء البشر، ومنها:

 
بــربِّــك أيُّـهـا الـفــلَـكُ الـمُــدار أ قصدٌ ذا المَسيرُ أمِ اضْطـرارُ
مَـدارُك قــلْ لــنـا في أيِّ شـيْءٍ فـفـي أفــهـامِـنـا مـنـه انـبـهـارُ
وفيك نرى الفضاءَ وهل فضاءٌ سِـوى هـذا الـفــضاءِ به تُـدارُ
وعندك تُـرفـعُ الأرْواحُ أوْ هـلْ مع الأجـساد يُـدرِكهـا الـبَـوارُ؟… 
على ذا قد مضى وعليه يَمضي طِـوالُ مُـنًـى وآجــالٌ قِـصـارُ 
ودهــرٌ يـنـثـرُ الأعــمـارَ نـثـرًا كما لـلوَرد في الرَّوْض انتثارُ
ودنـيـا كـلَّـمـا وضعـتْ جـنـيـنًـا غــذَتْـهُ مـن نــوائـبـهـا ظُــؤارُ… 
فـمِــن يـــوْمٍ بـلا أمــسِ ويــوْمٍ بـغـيْـرِ غــدٍ إلـيـهِ بــنـا يُـسـارُ…
وعلى الرغم من ضياع معظم شعره إلا أنَّنا نستطيع أن نتلمَّس شذرات الحكمة فيما بقي لنا من متفرِّقات له هنا وهناك، ومن ذلك قصيدته الهمزيَّة في رثاء أخيه أحمد والتي يرثيه في مجملها رثاء الحكيم المتفكِّر في الموت وفي مصائر النَّاس على الرّغم من الحزن الذي يعتصر قلبه، فيقول:
غاية الحزن والسَّرور انقضاءٌ ما لحَيٍّ من بعد مَيْـتٍ بـقـاءُ
غيرَ أنَّ الأموات زالوا وأبْـقَوْا غصَصًا لا يُسيـغـه الأحـياءُ
إنَّـمـا نحـن بَـيْـن ظُـفـرٍ ونـابٍ من خطوبٍ أسُودُهُنَّ ضِراءُ
نتمنَّى وفي المُنى قـَصرُ العـمْــــــــــرِ فـنـغـدو بـمـا نُـَسـرُّ نُـساءُ
صحَّة الـمَـرء لـلسَّقـام طـريـقٌ وطريقُ الـفـناءِ هذا الـبَـقـاءُ
بـالَّذي نغـتـذي نمـوت ونحـيـا أقْـتَلُ الـدَّاءِ لـلـنُّفوسِ الدَّواءُ
قـــبَّــــحَ اللهُ لـــــــذةً لِأذانــــا نــالَـهـا الأمَّـــهـاتُ والآبــاءُ
نحن لولا الوجودُ لم نألمِ الـفقْــــــــــدَ فــإيـجــادُنا عــلـيْـنـا بَــلاءُ… 
ومع ذلك فهو في مَوْضعٍ آخرَ يحثُّ على الصَّبر في المُلمَّات؛ وعدم الاستسلام إلى الهموم؛ لأنَّها تهلك النُّفوس، ولأن مَآلَها إلى الرَّحيل مهما ثقلت، وذلك في قوله: 
تلَقَّ بالصَّبر ضيْفَ الهَمِّ تُـرحِـلُـهُ إنَّ الهموم ضيوفٌ أكْلُها الـمُهَـجُ
فالخطبُ ما زاد إلا وهو منتقصٌ والأمرُ ما ضاق إلا وَهْوَ مُنفرِجُ 
فروِّحِ الـنَّفسَ بالـتَّعليل ترْضَ به عسى إلى ساعةٍ من ساعةٍ فـرَجُ
وله في العفَّة والأنَفة وعزَّة النَّفس وفي التَّعالي على أسباب الهوى، وما يوقع في عشق الكواعب والغواني من النِّساء مقطوعةٌ جميلة يستخدم فيها أسلوب الإقناع وسَوْق الحُجج والبراهين، فيقول: 
وفي اليَأسِ إحدى الرَّاحتيْن من الهوى على أنَّ إحدى الـرَّاحتـيْـن عَذابُ 
أعــفُّ وبي وَجْــدٌ وأسـلـو وبي جَـوًى ولــو ذاب مـنِّي أعـظُــمٌ وإهـابُ 
وآنَــفُ أنْ تـصـطـادَ قـلـبـيَ كـاعـِــبٌ بلحظٍ وأن يَروي صَدايَ رُضابُ 
فلا تُـنـكِـروا عزَّ الـكـريـم على الأذى فـحـيـن تـجـوعُ الـضَّارياتُ تُهابُ
وله في الشَّيْب واختلاط سواد الشَّعر ببياضه تشبيهٌ جميلٌ، فهو يرى فيه شبَهًا بالصُّبح الذي تنفَّس في الظلام، وبالكافور الأبيض الذي ذُرَّ في المسك الأسوَد، فتمخَّض اللَّيْلُ عن صورةٍ من أجمل الصُّوَر حين ترصَّع بالكواكب اللَّامعة المُضيئة، فقال: 
قالوا المشيبُ فقلتُ صُبْــــــــــحٌ قـد تـنـفَّـسَ في غـياهِـبْ
إن كـان كافــــورُ الـتَّــجــا رِبِ ذُرَّ في مِسك الذَّوائـبْ 
فـالـلَّـيْـلُ أحـسـنُ مـا يـكـو نُ إذا تـرصَّـعَ بـالـكـواكِـبْ.
قلت لصديقي: لكأن ابن الشبل في قوله: 

قـبَّـح اللهُ لـذَّةً لأذانـا نـالَـها الأمَّهاتُ والآباء
ينهج نهج المعري ويسير على منواله في قوله: 

هـذا جَـنـاهُ أبي عَـلَــــيَّ وما جَـنـيْـتُ على أحَد
فقال لي: لفتةٌ طريفةٌ وربطٌ جميل. لا أدري أ قالها لي مجاملةً أم عن إعجابٍ بما قلت.

 

  • محمد عصام علوش

شاهد أيضاً

كعبة الله / شعر : غازي المهر

إلى الله أشكو فصول الجفافِ تداعت إليّ بجمر التجافي وهبّت عليّ كعصف رياحٍ وفيها جفاء …