السخرية في شعر البردوني / مقال بحثي للأديب : صالح عبده اسماعيل الآنسي- مجلة أقلام عربية

السخرية في شعر البردوني / مقال بحثي للكاتب : صالح عبده اسماعيل الآنسي- مجلة أقلام عربية

                      

 

 

* مقدمة : 

 

شكراً، دخلتَ بلا إثَارَه!

وبلا طَفُورٍ أو غَرَارَه!

 

لَمَّا أغَرْتَ ؛ خَنَقَتَ في

رَجْلِيْكَ ضَوْضَاءَ الإغَارَه!

 

لَمْ تَسْلُبَ الطينَ السُّكُوْنَ ،

ولَمْ تُرِعْ نومَ الحِجَارَه!

 

كالطيفِ , جئتَ بلا خُطَىً!

وبلا صدىً! ، وبلا إشارَه!

 

أرأيتَ هذا البيتَ قَــــزْ

مَاً ! , لا يُكَلِّفُكَ المَهَارَه!

 

فأتيتهُ ، ترجو الغـنـا

ئِـمَ , وهُوَ أعْرَى من مَغَارَه!

 

ماذا وجدتَ سِوَى الفَـــرَا

غِ , وهِرَّةً تَشْتَمُّ فَارَه؟!

 

ولُهَاثَ صُعْلُوْكِ الحـــــرو

فِ يصوغُ من دَمِهِ العِبَارَه!

 

يُطْفِي التَّوَقُدَ باللظى!

يَنْسَى المَرَارَة بالمَرَارَه!

 

لَمْ يُبْقِ في كَوْبِ الأسَى

شيئاً .. حَسَاهُ إلى القَرَارَه!

 

ماذا؟ أَتلقى عِندَ صُعْـ

ـلُــوْكِ البيوتِ غَنَى الإمَارَه؟!

 

يا لِصُّ : عَفْوَاً إنْ رَجِعْتَ

بدونِ رِبْحٍ أو خَسَارَه!

 

لَمْ تلقَ إلا خيبةً

ونَسِيْتَ صَنْدُوْقَ السِّجَارَه!

 

شُكْرَاً , أتنوي أنْ تُـشَـرِّ

فَـنَـا بتَكْرَارِ الزَّيَارَه ؟!

 

من منا من لا يعرف هذه القصيدة وما عنوانها – التي كتبها شاعرنا المبصر المرحوم عبدالله البردوني بشهر نوفمبر عام 1966م, بعد أن خرج هو وأسرته من منزله في شأن لهم , ثم عاد إليه ليجده قد تعرض لإغارة لص , عاث فيه تنقيباً وبحثاً فلم يجد من المال ومن حطام الدنيا شيئاً, فاضطر في النهاية إلى مغادرته بالخيبة حتى أنه نسي صندوق سجارته – وهي من أٌنكى وألذع قصائده الساخرة , التي لاقت شهرة ورواجاً كبيراً.

 

ومن منا لا يعي ما حفلت به تجربته الإبداعية في كل جوانبها من الإهتمام الكبير والمتابعة من قبل القرّْاء والنقاد والباحثين, وذلك لما حملته تلك التجربة من التميز والطرافة والخصوصية المثيرة, التي لطالما كانت وستظل مثاراً للتطلع والتساؤل, ولا زالت عجائبها لا تنتهي بما يتكشف لنا منها بين الحين والآخر من الأسرار الجديدة .

وقد خطر لي أن أتناول بالبحث الجانب الساخر في هذه التجربة, في كلٍ من شخص شاعرنا البردوني وشعره, وكنت أحسب أني سآتي بالجديد في هذا الجانب، وإذا بي أقف على العديد من المقالات والبحوث التي قد تناولته  بما يكفي من التعمق والثراء الذي أغناه بالطرح , فرأيت أن أعتمدها كمراجع لهذا المقال البحثي المتواضع, وذلك بالإتيان على ذكر أهم ما جاء فيها من الفوائد والنتائج التي لا يمكن تجاوزها , ولا غنى لي ولا للقارئ عنها, وهو جهد أرمي منه إلى جمع أشتات نتائج تلك المقالات والدراسات في مقال واحد ليسهل الإلمام بها مختصرة.

 

ولا شك أن لهذا الموضوع ولطرافته عن شاعرنا البردوني ما يستهوي الجميع ويدفع بهم للإطلاع عليه, لما له ولشعره من المكانة والحب.

 

والسخرية في شخص ونتاج شاعرنا البردوني جانب لم يتعرض للتناول أكثر وبشكل أكاديمي إلا بعد موته , ولكنها كانت السمة البارزة التي عرف بها , وصبغت شخصه ومواقف حياته وشعره , وشكلت عاملاً فاعلاً من عوامل شهرته وانتشاره , إلى جانب العامل الإعجازي الأول المتمثل في قدرته على الإبداع والنبوغ متجاوزاً إعاقته بالعمى , وقدرته كذلك على تجاوز المعاناة والظروف الصعبة التي نشأ عليها ورافقت مسيرة حياته.

 

* لمحة عن حياة شاعرنا البردوني : 

 

لا بد لنا ونحن نتحدث عن جانب هام من جوانب التجربة الإبداعية لشاعرنا البردوني أن نمر بداية على نبذة مختصرة عن طفولته وحياته :

 

ولد شاعرنا عبدالله بن صالح بن عبدالله بن حسن البردوني في أٍسرة فلاحية فقيرة بقرية تدعى(البردون),من قبيلة (بني حسن) في ناحية الحدا – شرقي مدينة ذمار في سنة 1929م تقريباً , وعاش وتوفيَ  بصنعاء في (30) أغسطس عام 1999م.

 

أُصيب  بمرض الجدري وهو في الخامسة أو السادسة من عمره, وعلى إثره فقد بصره. تلقى تعليمه الأولي بكتاب قريته , ثم انتقل إلى قرية (المَحِلَّة) في ناحية (عنس) جنوبي شرق ذمار؛ فتعلم القرآن الكريم حتى سورة الأنعام, ثم انتقل إلى مدينة ذمار في التاسعة من عمره , حيث أكمل القرآن الكريم حفظاً وتجويداً , ثم انتقل إلى دار العلوم (المدرسة الشمسية) , وفيها أعاد تجويد القرآن مرة ثانية على القراءتين (نافع) و(حفص), والثالثة والرابعة على القراءات السبع المتواترة, وحين بلغ الثالثة عشرة من عمره بدأ يُهَمْهِمُ بالشعر, وأخذ من كل الفنون, فكان لا يمر مقدار يومين دون أن يتعهد الشعر قراءة أو تأليفاً , ويقرأ ما وقع في يده من الدواوين القديمة, ثم انتقل إلى الجامع الكبير بمدينة صنعاء , ومنه.. في مطلع الأربعينيات إلى دار العلوم , حتى حصوله على إجازة منها , ثم تعيينه مدرساً للأدب العربي شعراً ونثراً فيها .

 

يقول حسن عبد الوارث في مقال له بعنوان ” البردوني ذاكرة الشعر الساخر” :

 

“وطوالَ سبعين عاماً، كان البردوني يغزل المجد خيطاً خيطاً، وينسجه خرقةً خرقةً، ثم يرتديه بُردةً وقصيدة , لا تكتمل البتة، وإن اكتمل البدر في السماء, ومات الرجل عن نحو عشرين من الكتب المطبوعة, وثلاثة من الكتب المخطوطة, وخمسة من الأعمال المترجمة إلى الانجليزية والفرنسية, وخمسة من الكتب الموضوعة عنه وعن شعره, وخمس من الجوائز الأدبية الرفيعة”.

 

* الإنتماء المكاني وأثره على شاعرنا البردوني :

 

 

لاشك أن لأنتماء أي أديب إلى المكان الذي ولد فيه ونشأ عليه أثرٌ كبيرٌ في بناء شخصيته وفي أدبه, وفي اتصافه ببعض السجايا التي يتميز بها أهل ذلك المكان عن غيرهم من أبناء المناطق الأخرى.

 

وعن كون شاعرنا من محافظة ذمار, ثم انتقاله للعيش بالعاصمة صنعاء قال حسن عبدالوارث في مقاله :

 

“حين يكون المرء ذمارياً وصنعائياً، يكون يمانياً من طراز خاص. فالمدينتان – أو البيئتان – دارا علم وفقه وتراث، ومجتمعا أدب وفن و(نكتة) , لا تُضاهيهما في ذلك كله مدينة ثالثة في اليمن على الإطلاق”.

 

وقال الباحث مساعد الذبياني في رسالته ” السخرية في شعر البردوني” :

 

” قد عرف عن أهل اليمن أنهم أصحاب رقة ولين في الفؤاد ,وكان لهذه الرقة أثرها في تعامل أهل اليمن مع الأحداث , تعاملاً يميل إلى الفكاهة بدل الصدام, فعرفوا بنكاتهم وتليقاتهم الساخرة, فإن توجهنا إلى (ذمار) موطن البردوني وجدنا أهلها – خاصة – يمتازون بهذه الروح المرحة , فهم أهل نكتة حاضرة في تعاملهم مع الأحداث, إلى درجة أنها أصبحت رمزاً للمنطقة, ودلالة فارقة في شخصية الذماري, فارتباط الفكاهة بالذماري ارتباط وثيق, كارتباط جحا بها في الموروث الأدبي العربي. هذه النشأة الذمارية كان لها دور في بناء شخصية البردوني الساخرة فيما بعد, فقد سار في طرح فكره وأدبه على النمط الذي نشأ عليه وعايشه منذ نعومة أظافره “.

 

* أهداف السخرية عند شاعرنا البردوني : 

 

يستخدم المبدعون السخرية كسلاح, يقهرون به واقعهم المرير, فيصورون ذلك الواقع وينتقدونه من خلال ضحكة مغموسة بالأسى وألم المعاناة, محاولين من خلالها إصلاح وتغيير واقع أمتهم.

 

يقول الدكتور وليد المشوح في مقال له بعنوان ” السخرية في شعر البردوني” :

 

“السخرية هي الحدود الأربعة لجغرافية شعر البردوني، فما وصف إلا وسخر، وما تغزل إلاَّ وسخر، وما هجا إلا وسخر، وما مدح إلا وسخر، وما تعرض لموقف وطني أو قومي إلا وسخر، إذن فالبردوني قهقهة عالية عندما يحس بوجوده المحيط، وتفجع مؤلم عندما يتبصر في كونه الخاص، أي هو بكاء يشبه الضحك، أو ضحك يتماهى مع البكاء, أكثر شعره شكوى من الزمن، وتأوه من ضيق الحال، وفي هذا الشعر نزعات هجائية تكونت من قراءة الهجائين، ومن سخط الشاعر على المترفين الغُلُف، فقد كان يتعزى بقراءة الهجو ونظمه، وهذا بدافع الحرمان الذي رافقه شوطاً طويلاً، فبكي منه وأبكى.

 

هي ذي سخرية البردوني ، فهي وليدة بؤس وحرمان، لا وليدة ترف، ولا هي مجرد ظاهرة تجلت في شعره بعفوية كاملة , بقدر كونها إرادة فنان مبدع طامع بتحطيم المألوف الصوري واللغوي والخيالي، وصولاً إلى تغيير السائد وإدانة الراهن المعيش، لذا تنوعت الصورة الساخرة، وتعددت غاياتها ومراميها، فتحولت إلى سمة وسمت في شعر هذا الشاعر الفذ. لقد تصاعد شعوره بالمسؤولية الاجتماعية حتى كاد أن يصل إلى سيادة الأنا المبدعة لتكون محور كونه الشعري”.

 

ويقول الباحث مساعد الذبياني في رسالته : 

 

“أن السخرية في شعر البردوني ليست من قبيل التشفي الشخصي , بل هي سخرية الناقد المصلح الذي يبرز العيوب للتخلص منها بإسلوب ساخر”.

 

وفي مكان آخر منها يقول : 

 

” وجدنا أن الأدب الساخر لا يكون في ابداعات المبدع إلا بعد نضوج تجربته الشعرية , وبعد أن تعلمه الأيام كيف يضحك بدلاً من أن يبكي”.

 

وقال أيضاً : 

 

” أما البردوني فقد عاش في زمن أطبق الجهل فيه على الناس , فقليل ما نرى من يهتم بالأدب, أو بالعلم بشكل عام , لذلك أضيف إلى هموم شاعرنا هم أخر, ألا وهو عدم وجود من يستمع إليه و إلى شكواه , لذلك قرر وفي إصرار أن يخاطب الشعب بلغة تستميله , ويستطيع بها التواصل معه , فوجد أن اللغة الساخرة هي أقرب طريق إلى قلوب شعب سيطرت عليه الأمية , فجعل من البسمة طريقاً إلى رفض كل ما يستحق الرفض, وجعلها أمله في تعديل أوضاع بلاده الإجتماعية والسياسية “.

 

وفي المقال المشار إليه قال حسن عبدالوارث : 

 

” البردوني ليس شاعراً فكهاً ظريفاً فحسب؛ بل هو شاعر مقاتل يتخذ من السخرية سلاحاً في مواجهة كل صور الظلم والاستبداد والقهر، وعلاجاً في الوقت نفسه لآلام المجتمع ومعاناة الناس.. ومثلما سخر من العمى الخاص لديه، فإنه سخر أكثر من العمى الجمعي في مجتمعه متمثلاً بالجهل والانكسار والخنوع.. وهو بذلك يتبدَّى لنا أنفذ بصيرة من المبصرين، ما دعا عديد من الأدباء والنقاد والمثقفين إلى وصفه ب «الرائي» حتى أنهم أقاموا له مهرجان تكريم – في حياته – يحمل هذا الاسم”.

 

* دوافع السخرية عند شاعرنا البردوني : 

 

مع أن معرفتنا بقصة حياة شاعرنا البردوني , وبكونه ذمارياَ فكهاَ قد يفسر لنا بعض الأسباب والعوامل التي جعلت منه شاعراً ساخراً, إلا أن مما يظل يتبادر إلى الأذهان وبشكل ملح هو هذا السؤال :

 

* ما أسباب توجه شاعرنا البردوني بشكل كبير وملفت إلى أسلوب السخرية في تجربته الإبداعية ؟!

 

وللإجابة عن هذا التساؤل أورد بإختصار بعض ما قاله الباحثون عن ذلك :

 

– قال الدكتور وليد المشوح في مقاله :

 

” البردوني ظاهرة إنسانية تحتاج إلى اهتمام الدارسين النفسانين، فلا يستطيع أمرؤ أن يصل إلى مغاليق شعره مالم يصل إلى دواخله وأنماط تفكيره.شاعر سخر من كونه، لأنه رأى في بصيرته وحشية الإنسان ضد أخيه الإنسان، فأدرك عندئذ أهميته كمبدع يترتب عليه أن يكون حاديا في مجتمع، فنادى بالثورة على التخلف.

ماذاق عبدالله البردوني حناناً، ولا رأى جمالا، ولم يهنأ بمال أو عيال، ولا قرأ في وجوه أصدقائه وخلانه ما في دواخلهم، لذا عاش غربتين : غربة الروح وغربة الفرح ، بينما ظل يكابد محابس عدة، إذِ ابتدأت بالفقر وانتهت بالعمى.وهكذا أعتمد شعره ” عكازة” , يتلمس بها طريق الحياة، وسخريته “مذبة” , يذب بها ظلامتين : ظلامة الذات وظلامة الآخر”.

 

– وقال مساعد الذبياني في رسالته : 

 

” أي سلوك إنساني لا بد أن يكون نتيجة عوامل معينة ، تقوده هذه العوامل تجاه سلوك محدد ، وهو ما يسميه علماء النفس بالدوافع ، فيصدر عن دوافع مختلفة بعضها فطري ، يولد الإنسان مزوداً به والبعض مكتسب من البيئة ، وإذا رجعنا إلى البردوني لنعرف سبب اتجاهه لأسلوب السخرية لا بد ان يكون هناك دوافع قادته إلى هذا الأسلوب ، ومع الوقوف مع حياة البردوني سنجد ان هناك نوعين من الدوافع ، يمكن ان نسمي الأول دوافع ذاتية ، أي أنها ترجع للبردوني نفسه ، والآخر يمكن تسميته بالدوافع الخارجية ، أي ما أثر في البردوني من أمور لا ترجع الى شخصه وإنما إلى أسباب اجتماعية وسياسية “.

 

وكانت أهم تلك الدوافع بشقيها التي ذكرها (مساعد) في رسالته هي :

 

1- العمى : مبيناً أثر فقد هذه النعمة على شاعرنا البردوني ، وأثر ذلك في تكوين شخصيته ونمط سلوكه الإفتراضي كمعاق ، مع قدرته فيما بعد على تجاوز تلك الإعاقة ، وتوجيه أثرها السلبي المفترض عليه بشكل إيجابي , وأكد الباحث على أن أكثار البردوني من الشكوى من الوحدة وذكره (الليل) في كثير من قصائده أمران يمثلا رمزية شخصيته المعاقة بالعمى, فعلاقته بالليل علاقة سرمدية, علاقة يجمعها الظلام, وتغني فيها الوحدة, وتتشابك فيها الهموم, علاقة يفسرها وصفه لـ (الليل) في مثل قوله :

 

والليلُ يسري كأعمى ضلَّ وِجْهَته

وغابَ عن كفهِ العُكَاز والهَادِي

 

كأنَّهُ فوقَ صَمْتِ الكونِ قافلةٌ

ضَلَّتْ, وَضلَّ الطريقَ السَّفرُ والحَادِي

 

2- فقد الأم : وهي والدته (نخلة بنت أحمد عامر) التي فقدها البردوني بعد سنوات من اصابته بالعمى، مبيناً إثر ذلك عليه، ذاكراً ما كان لأمه من دور كانت تقوم به تجاهه، خاصة بعد فقده لبصره، وما كان له من تعلق كبير بها ، فقد كانت رفيقته ومعينته، وكانت مطعمته وهاديته إلى تحسس طريقه المظلم. وذكر الباحث في رسالته ما كان لشخصية أم البردوني – وهي الفلاحة الذكية النبيهة – من الأثر الوراثي والمكتسب عليه وعلى كل حياته بعد ذلك، وما تركه فقده لها من الأثر العميق، وما نتج عن ذلك من الإحساس الدائم لديه بالشعور بالغربة, مستشهداً بنماذج معروفة من شعره في رثاء أمه, كقصيدته (أُمِّي) التي قال في مطلعها :

 

تركتني ها هنا بين العذابِ

ومضت, يا طول حزني واكتئابي

 

تركتني للشقا وحدي هنا

واستراحت وحدها بين الترابِ

 

وهي قصيدة طويلة, يبلغ عدد أبياتها (32) بيتاً, مضى فيها يناجي والدته, ويبثها آلامه وحزنه, وما قاساه بعد رحيلها, إلى أن ختمها بقوله :

 

ها أنا يا أُمَّيَّ اليومَ فتىً

طائرُ الصيتِ بعيدٌ في الشهابِ

 

أملأُ التاريخَ لحناً وصدىً

وتُغني في رُبا الخُلدِ ربابي

 

فاسمعي يا أمُّ صوتي وارقصي

من وراءِ القبرِ كالحورِ الكِعَابِ

 

3- ثقافة البردوني : مبيناً مؤثراتها التي أسهمت في بناء شخصية شاعرنا الساخرة، والتي منها : أثر ثقافة المجتمع اليمني الشعبية وأحواله الإقتصادية عليه، وأثر غزارة ما اطلع عليه من المعارف في التراث اليمني والعربي.

 

4- الحياة السياسية والإجتماعية : المتناقضة والمتقلبة وغير المستقرة باليمن والوطن العربي, وأحداثها الكبرى التي عاشها وعاصرها البردوني, مبيناً أثر كل ذلك عليه في شخصه وشعره.

 

وفي تناول الباحث لأثر العمى على البردوني قال :

 

” لذلك فإعاقة البردوني البصرية ، مع إيمان الكثير من النقاد أنه استطاع تجاوزها بإرادته القوية، إلا أنها تركت أثراً واضحاً على شخصية البردوني”.

 

وأضاف : 

 

” السخرية نوع من أنواع الهجاء ، والصلة بين العمى والهجاء عميقة ، ذلك أن الهجاء ليس سوى تجسيد للقبح والتشوية والمنكر، وهي صفات ملازمة لبعض العميان الذين افتقدوا منذ نشأتهم الحب والأسرة والمجتمع الرحيم، وهذا الميل للقبح ناتج عن ترسبات داخلية يشعر بها الأعمى، فيحاول أن يخفف منها بأساليب متنوعة ومنها الهجاء, ليكون وسيلة تفريغ لما يشعر به من قلق نفسي , يحاول التخلص منه ، فكف البصر المفاجئ يصيب صاحبه بالإنقباض وأحياناً بالسلوك العدواني ، هذه العدوانية التي تمثل في شخصية الكفيف الجانب الساخر من كل شيء ، كانت بالنسبة للبردوني هي الطريق الى التوازن النفسي وإثبات الوجود والشعور بالطمأنينة ، فالسخرية لم تكن إلا ستاراً حاول البردوني أن يخفي خلفه متاعبه مع العمى”.

 

أقول ولذلك كثيراً ما نجد الظرف والسخرية والفكاهة تصدر أكثر من العميان في تصرفاتهم ومواقفهم وأقوالهم ، وهو ما اشتهر عنهم، وقد كان شاعرنا البردوني منهم، فلكم حفلت حياته بمثل تلك المواقف, وتناقل الأدباء والعامة عنه الكثير من النوادر والطرائف.

 

إذن وكما قال حسن عبد الوارث : 

 

” كان العمى عاملاً رئيسياً لسخرية عبدالله البردوني، مثلما كان عاملاً مهماً لنفاذ بصيرته ومخيلته , يضاف إلى ذلك ما تراكم في رحلة حياته ومعاناته من تجارب قاسية وثرية معاً – على الصعيدين الذاتي والعام – وما رافقها من تزوّد مستمر من مناهل الثقافة بمختلف مصادرها وأغراضها وفنونها , يُضاف إليه تأثّره بأبي العلاء المعري – في سيرته الشخصية وتراثه الشعري – فقد أشار غير مرة إلى أن الحالة الشعرية والحياتية لأبي العلاء المعري وبشار بن برد من أبرز مصادره الثقافية التي أفاد منها كثيراً في تكوينه الشعري والفلسفي، وفي حالته الساخرة على وجه الخصوص. ومن المعروف أن المعري أصيب بالجدري فالعمى وهو في سن السادسة”.

* أساليب السخرية عند شاعرنا البردوني :
لكل أديب نهجه المختلف الذي يستخدمه للتعبير عن آرائه وأفكاره وعن سخريته ، وهو ما ندعوه بالأسلوب، فلكل أديب أسلوبه الشعري أو النثري الذي يميزه عن الآخرين ويجعله مختلفاً عنهم، وشاعرنا البردوني كان له عدة أساليب في السخرية, أستطاع بها التنفيس عن مشاعره وإخضاعها لأهدافه، وتميز بها عن غيره من الأدباء الساخرين في اليمن والوطن العربي.
وأهم تلك الأساليب اللغوية والبلاغية التى انتهجها شاعرنا البردوني وأتى على ذكرها الباحث مساعد الذبياني في رسالته هي :
1- الإستفهام : فلا تكاد تخلو قصيدة من قصائد شاعرنا البردوني منه، حتى أصبح علامة فارقة في وجه قصيدته، يبث من خلاله همومه واحزانه، كقوله :
من أنتِ؟! , واستبقت جوابي
لهبٌ يَحِنُّ إلى التهابِ
من أنتَ؟! , عزافُ الأسى
والنارُ قيثارُ العذابِ
وعلى جبينكَ قِصَّةٌ
حيرَى كديجورِ اليَبَابِ
وخواطرٌ كهواجسِ الإفلا
سِ في قلقِ المُرَابي
وأنا , أتدري من أنا؟!
قل لي , وأسكرَها اضطرابي!
سَلْ تمتماتِ العِطرِ : هَلْ
نيسانُ يَمْرَحُ في ثيابي؟!
من هذهِ؟! أُسطورةٌ الأحـ
ـلامِ , أَخيلَةُ الشِّهَابِ؟!
2- المبالغة : وهي التضخيم في الوصف الذي يخرج المعنى من حقيقته الى الذم والسخرية من الموصوف ، كقول شاعرنا وهو يصف حالته مع الفقر :
كيف كنا نقتاتُ جوعاً ونُعْطِي
أَرْذَلَ المُتخَمينَ أشْهَى المَطاعِمْ؟!
وجراحاتُنا على بابِ مولا
نا تُقِيْمُ الذبابُ منها الولائمْ!
وكقوله في وصفه لجوعه وما يعانيه من حرمان ، وكيف أن ما يملكه هو تلك الذبابات التي يعتبرها نقوده :
من ذا يذُبُ النقودَ يا أُمُّ عَنَّا ؟!
أصبحت فوقنا الرؤوسُ عجينا!
أُمُّ .. هذا الذبابُ يُدْعَى نُقودَاً
فلتذُبي هذا الوباء الثمينا!
أنتِ في عُرْيكِ الحقيقيَّ أبهى
من حُلٍ تمتطيكِ جوعاً بطينا!
3- التكرار : وهو ما يزيد من توكيد الصورة الساخرة ، وأكثر قصائد شاعرنا تبدأ بتلك التساؤلات المتكررة , من مثل : ( من؟ ، لماذا؟، لمن ؟) ، أو بضمير المتكلم (أنا) ، أو النداء بـ (يا) ، أو بـ (لا) ، كقوله :
لماذا المقطفُ الداني
بعيدٌ عن يدِ الحاني؟!
لماذا الزهرُ آنيٌّ
وليسَ الشوكُ بالآني؟!
لماذا يقدرُ الأعتى
ويعيا المُرْهَفُ الجاني؟!
وكقوله :
أنا من أنا ؟ الأشواقُ
والحرمانُ والشكوى أنا !
أنا فكرةٌ وَلْهَى , معانيها
التضنِّي والضَّنَى!
أنا زفرةٌ فيها بكاءُ
الفقرِ , آثامُ الغنى!
وكقوله :
يا حياتي , ويا حياتي إلى كمْ
أحتسي من يديكِ صاباً وعلقَمْ
ما حياتي إلا طريقٌ من الأشـ
ــواكِ أمشي بها على الجَرحِ والدَّمْ
يا حياتي, وما حياتي؟ وما معـ
ــنى وجودي فيها لأشقى وأُظْلَمْ
وكقوله :
لِمَنِ الهُيَامُ ؟ لِمَنْ تذوبُ هُيَامَا؟
ولِمَنْ تصوغُ من البُكَا أَنغاما؟
ولِمًنْ تُسَلسِلُ من ضُلوعِكَ نغمةً
حَيْرَى تُنَاجي الليلَ والأحلاما؟
ونشائدٌ جرحى اللحونِ كأنها
من رِقةِ الشكوى قلوبُ يتامى!
يا شاعرَ الآلامِ : كَمْ تَدْمِي؟! وكَمْ
تبكي وتحتملُ الهمومَ جساما؟!
خَفَّفْ عليكَ , وعِشْ بقلبِّكَ وَحْدَهُ
واسْألْ نُهَاكَ : لِمَ البُكَا وَعَلامَا؟!
وكقوله :
لا تسألي يا أختُ أينَ مجالي؟
أنا في الترابِ وفي السماءِ خيالي!
لا تسأليني أينَ أغلالي, سَلِيْ
صَمْتِيْ وإِطْرَاقي عنِ الأغلالِ
4- الحوار : وهو أُسلوب أكثر شاعرنا من استخدامه في شعره ، سواءً كان حواراً داخلياً بينه وبين نفسه ، أو خارجياً بينه وبين شخوص قصائده ، مُحَوِّلَاً بعض الحوارات إلى دراما ، تكون في سردها أقرب الى القصة المكتملة العناصر ، من مثل قوله :
في هجعةِ الليلِ المُخيفِ الشاتي
والجوُ يحلُمُ بالصباحِ الآتي
والريحُ كالمحمومِ تهذي والدُّجَى
في الأفقِ أشباحٌ من الإنصَاتِ
في ذلكَ الليلِ المُخيفِ مَضَى فتى
قلقُ الثيابِ ، مُرَوَّعُ الخطواتِ
يمشي  وينظرُ خلفهُ وأمامهُ
نظرَ الجبانِ إلى المُغِيرِ العاتي
ويرى الحُتُوفَ إذا تلفَّتَ أو رَنَا
ويَحِسُّ أصدَاءً بلا أصواتِ
وهنا تراءتْ للمُرَوَّعِ عُصْبَةٌ
كالذُعْرِ شيطانيةُ اللمحاتِ
شُعْثٌ كأهلِ الكهفِ, إلَّا أنَّ في
نظراتِهِمْ هَمَجِيَّةُ الشهواتِ
وتقلبتْ مُقَلُ العِصَابةِ في الفتى
وكأنَّهَا تشويهِ بالنَّظرَاتِ
والتاعَ فيها الشَّرُّ فانهالتْ على
ذاكَ الفتى بالضربِ والطعناتِ
إلى آخر ما قاله في هذه القصيدة ، التي صاغها لبيان تلك الحالة الفوضوية التي يعيشها الشعب، والصراعات التي يكتوي بنارها الضعفاء.
5- المفارقة : وهي التي تقوم على إبراز التناقض بين وضعين متقابلين هما طرفا المفارقة ، وتتبدى في التناقض والتضاد الذي ينتظم ظواهر الوجود والحياة وأحداث المجتمع وسلوك الناس ومواقفهم ، وهذا الأسلوب تجلى في مثل قوله :
ما كانَ أذكى مُرْشِدَاً
وأبَرَّ طلعتهِ الزَّكيهْ
كانَ ابتساماتَ الحزينِ
وفرحةَ النفسِ الشجيهْ
عيناهُ من شُغَلِ الرَّشَادِ
وكُلُّهُ من عبقريهْ
إن لمْ يكنْ في الأنبياءِ
فروحُهُ المُثلَى نبيهْ
قتلتهُ في الوادي اللصوصُ
فغابَ كالشمسِ البهيهْ
كانَ ابنُ عَمِّي يزدريهِ
فلا يضيقُ من الرَّزيهْ
ومنِ ابنُ عَمِّي؟ جاهِلٌ
فَظٌ , كليلِ الجاهليهْ
يرنو إلينا مثلما
يرنو العقورُ إلى الضحيهْ
نَعْرَى ويسبحُ في النقودِ
وفي الثيابِ القيصريهْ
ونذوبُ من حُرَقِ الظَّمَا
وعِنْدُهُ الكأسٌ الرَّويهْ
والكَرْمُ في بُسْتَانِهِ
يَلِدُ العناقيدَ الجنيهْ
لقد صور شاعرنا الواقع كما هو، فالذكي المتوقد لا نصيب له في هذه الحياة , والجاهلُ الفظ يمتلك كل مقوماتها الكريمة , إنها المفارقة العجيبة !!
6- الصورة الساخرة( الكاريكاتورية) : وهي الأسلوب الذي اعتمده شاعرنا في تعرية المجتمع الفاسد، راسماً به شيئاً من الضحكة على وجه البؤس الذي تولد من ظلمه، كقوله في محاولة نقل تلك الصورة الظالمة للحاكم، الذي تسلط على الشعب وحقق مطامعه من خلال استغلال شعبه :
سَلِ الدربَ كيفَ التقتْ حَوْلَنَا
ذِئابٌ من الناسِ لا ترحمُ
وتُهْنَا وحُكَّامُنَا في المَتَاهِ
سِبَاعٌ على خطوِنا حُوَّمُ
يعيثونَ فينا كجيشِ المُغُوْلِ
وأدنى إذا لَوَّحَ المَغنَمُ
فهُمْ يقتنونَ ألوفَ الألوفِ
ويَعْطِيْهُمُ الرَّشْوَةَ المُعْدِمُ
ويبنونَ دُوْرَاً بأنقاضِ مَا
أبادوا من الشعبِ أو هَدَّمُوْا
أقاموا قصوراً مَدَامِيْكُهَا
لُحُوْمُ الجماهيرِ والأُعْظُمُ
قصوراً من الظلمِ جُدْرَانُهَا
جراحاتُنَا ابْيَضَّ فيها الدَّمُ
أخي إنْ أضاءتْ قصورُ الأميرِ
فقلْ تلكَ أكْبَادُنَا تُضْرَمُ
* الخاتمة :
في مقال له بعنوان ” الأجوبة المُسْكِتَة .. مقاربة في طرائف البردوني ونوادره” , قال الكاتب عبدالرقيب الوصابي :
” شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني، يمثل ذروة الأدب الساخر، وقد أتقن طرائق توظيفها وأساليب تشكلاتها , رغبة جادة وواعية منه في الدفاع عن شتى القيم والمبادئ الإنسانية، إذ انبرى يدافع عن المعنويات في عصره , مشيراً إلى مواضع الظلم، ومحفزاً الآخرين على الفهم والاستيقاظ , كما أنه عمل بمقصدية على توجيه أحاسيس المتلقين صوب الآلام واكتشاف مواضعها , مُكَرِّمَاً – في الآن ذاته – تقوى الضمير والاعتناء بالإنسان.
وعبر اشتغالاته المتنوعة – شعراً ونثراً ومُثاقفة – فقد عَمِدَ إلى الإعلاء من شأو السخرية , وجعلها مرآة صادقة للحقيقة، وأسلوبا كتابياً للتعبيرعن الاضطرابات والمساوئ ومعايب الفرد والمجتمع على حدٍ سواء.
إن سخرية البردوني تشف عن شخصية استثنائية , تواقة للانعتاق والتغيير, وعن روح غريب , لا يرى في حياة الآخرين ما يهواه , أو ما يجذبه للتصالح معهم وغض الطرف عن سطحيتهم وادعاءاتهم”.
أنتهى ما أوردته من كلامه , وبهذا القدرأكتفي , آتياً إلى نهاية هذا المقال البحثي المتواضع ,الذي توخيت الأتيان فيه على أهم ما قد قيل عن الجانب الساخر في التجربة الإبداعية لشاعرنا البردوني – رحمه الله – من قبل بعض الكتاب والباحثين, آملاً أن يجد فيه القارئ مبتغاه ,وإن تعم به الفائدة .

شاهد أيضاً

كعبة الله / شعر : غازي المهر

إلى الله أشكو فصول الجفافِ تداعت إليّ بجمر التجافي وهبّت عليّ كعصف رياحٍ وفيها جفاء …