الضرير ..( قصة قصيرة ) / بقلم / عبدالرقيب طاهر – اليمن

 

وسام

  • الضرير ..( قصة قصيرة )

بخطوات بطيئة لا تحسُ لوقع أقدامِه حس على الطريق … 
وقفتُ أمامَهْ كعمود خشبي لعلهُ يصطدم ، صارت المسافةُ بيننا نصف خطوة أو يزيدُ قليلاً 
توقفَ فجأة ومد كلتا يديه يتحسس أمامه حتى لامستْ باطن كفيه وجهي وأنفي ، تحسس كل رأسي بيديه الصغيرتين الباردتين قال : نبيل 
أبعد من الطريق
لكني لم أصدر صوتاً ،، وظللت واقفاً كصنم عبد مناف .
ابتسم وصفعني برفق على وجهي قال بلهجته العامية قلنا لك أبعد من الطريق يبعدوا ضرسك 
لم أتمالك نفسي وانفجرتُ ضاحكاً
قلت : تباً لك يا وغد ! 
كيف استطعت أن تعرفني وأنت أعمى؟!
وأضفت مازحاً يمكن أنك تخدع الناس فقط وأنت تبصر أحسن مني ، 
ضحك هو بدوره وقال أين سيارتك ؟
قاطعته يا موسى أمانة قلي كيف عرفتني ؟
قال : هذا سر العميان ما بقلك ولا شيء …
وأضاف مازحاً محد يخرجْ سر المهنة حقهُ يا مجنون 
وعاد بسؤاله قلنا أين سيارتك القردحة يا نبيل ؟
ليش تمشي برجلك اليوم. ..؟
ما في بترول يا موسى ما أنت عارف إن البترول مقطوع من الأسواق ..؟
إيه إيه صح قدنا أقول( ليش معد )أسمع أصوات السيارات بالطريق (يروحين) المدينة
والراتب مقطوع يا موسى له سنة كاملة ونحن بلا رواتب
هيا كيف تشوف يا بصير ؟
الله كريم بيفرجها ربك الصبر…. قال لي
قلت : له ما فيش حل غير هذا الذي اسمه الصبر ؟ قد صبرنا خيرات 
(من فين بيجي ) الصبر يا موسى؟ قد أنا كاره الحياة والله أننا أفكر بالانتحار
هيا ننتحر يا موسى أنا وأنت
ضحك بصوت عال وقال
انتحر لك وحدك ليش عدنا أجي معك 
وأضاف ساخراً مني ناوي أزور جهنم 
قلت : ما به إلا تشجعني نسير للآخرة جمعة أنا وأنت قد نحن خُبرة 
وأنت ما عاد تريد بهذه الدنيا أسالك بالله يا ضرير .؟
نريد نتزوج ونعيش حياتنا يا عم نبيل عدنا عمري سبعة عشر سنة فقط أنت قدك (إكس باير )يا عم نبيل.
أجبته بتنهيدة آه آه يا بصير قد نحن (نشتي نفلت إلا معانا قال عاده يشتي يتزوج )
ما قدرت أوفر لأطفالي الخمسة أكل وملابس سع الناس
وطلبات البيت كل يوم 
أدخلتُ يدي إلي جيبي أتحسس ورقة الطلبات التي ترقد بسلام 
أخرجتها وقرأتُ له منها
(رز دقيق سمن صابون زيت بسباس ثومة بصل بصل ).
ضحك قال (ليش )عاد البصل مكرر مرتين قلت له يعني بصل أخضر وبصل يابس
ضحك قال هي سير انتحر لك الان أحسن ما دام في أخضر ويابس
وأعقب بقوله وهو يغادرني (بس ) انتحر انتحار مليح (مش) أي انتحار 
قلت له كيف قصدك انتحار مليح ؟
قال سير أرقد تحت قطار أو أرمي نفسك من فوق طائرة
من أجل انتحارك يعمل ضجة إعلامية في الرأي العام 
وأولادك يحصلون من بعدك (زايد )ناقص
(مش ) تكون ما نفعتهم لا أنت حي ولا وأنت ميت
وسار يوالي خطواته الهادئة على الطريق متواريا عن نظري ..
صحت بِأعلى صوتي يا بصير يا بصير
ما (فيش) باليمن لا قطارات ولا طائرات
جاوبني وقده بعيد : (قدنا أقلك إنك دبور)
هيا أجلس اشقي على أولادك بأي شيء وبطلت الجنان حقك يا مجنون
آه آه
أحسست ! أنا بحاجة إلي تنهيدة وزفرة قوية تخرج كل الهموم من قلبي حتى أصبح مثل هذا الشاب البصير الذي ينظر إلى الحياة ببصيص من الأمل . 
همست لنفسي ماذا يريد هذا البصير من الحياة ؟!
متشبث بها رغم أنهُ لا ينعمُ بجمالها ولا يحس ببهرجها ..؟
نظرتُ للورقة التي كانت بيدي
سير أشتري
رز سكر سمن صابون بصل بصل ..
وأخذت أوالي الخُطَا على الطريق ألعام نحو السوق
ولسان حالي يقول بصل بصل بصل … 
ــــ
*  بقلم / عبدالرقيب طاهر – اليمن 

شاهد أيضاً

وأنا في زمن الكورونا / نثريات بقلم : يونان هومه ( سوريا – مقيم بأمريكا )

الجرح أصاب مخيّلتي لأنّي بدون قناع أنهل من وحدتي قصائد الشعر وأنا في زمن الكورونا …