(المسرح العربي على محيط اليابسة) المسرح الذي ذبلت وروده..هل سنروي شتلاته من جديد؟!/ استطلاع : غالية عيسى-مجلة اقلام عربية

(خاص) مجلة اقلام عربية
العدد (16) فبراير 2018م
______________

لا يغيب عن بال الكثير منا الدور الحقيقي والفعال الذي يلعبه المسرح في حياتنا تربوياً وتعليمياً وثقافياً وترفيهياً، وأهميته في نشر وزيادة الوعي، ومعالجة قضايا المجتمع اليومية والمصيرية، بدءاً من المسرح المدرسي كنشاط تربوي ينمي المواهب والإبداع لدى الناشئة، وانتهاءً بعروض الفرق الفنية المسرحية المتخصصة التي تقام لعامة الناس، ولرب عرضٍ مسرحيٍّ ما..ترك من الأثر فينا-بتناوله لأي قضية- ما لا يمكن أن تتركه قراءتنا لها في أي كتاب أو مجلة أو صحيفة أو موقع إلكتروني، وما لا يمكن أن تتركه فينا من الأثر والاقناع البالغ والراسخ حتى الخطب العصماء وكافة فنون التعبير والأدب، وذلك لأنه يتناولها بإسلوب تمثيلي فني شيق يجمع بين الجد والهزل وبين التراجيديا والكوميديا وبين الدراما وأساليب الترفيه النفسي و الروحي للمشاهد، وتجسدها شخوصه وأحداثه تجسيداً حيّا مباشرا وقريبا على مرئى ومسمع من المشاهدين.
وكما كان المسرح هو أول الفنون الإنسانية ظهوراً على مسرح الحياة نفسها منذ القدم، ومنه يقال تفرعت كل الفنون الأخرى وخاصة البصرية منها؛ فهو بذلك يعد الركيزة الأولى لها، وأهمها مكانة ودوراً على الإطلاق، والمتابع المتأمل في حركة المسرح العربي وما شهدته من بدايات جميلة وحافلة بالعروض والمنجزات، وما كان لها من التأثير الفعال والمباشر في كثير من قضايا الأمة المصيرية منذ نهاية القرن الثامن عشر الميلادي مروراً بعصرها الذهبي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى بداية انحسارها في نهاياته مع مطلع الألفية الجديدة ؛ يتساءل عن الأسباب التي جعلت حركة المسرح العربي تسجل حضوراً قليلاً خجولاً وغياباً ملفتاً طويلاً ، في الوقت الذي باتت المجتمعات العربية أحوج إليه وإلى ما يقوم به من تأثير مهم على الفرد والمجتمع وبناء الشعوب، ولذلك اختارت مجلة اقلام عربية أن يكون المسرح هو موضوع استطلاعنا لهذا العدد، والذي استضفنا فيه نخبة من النقاد والكتاب والمخرجين والممثلين من المختصين والمهتمين بالفن المسرحي من اليمن والوطن العربي، طارحين عليهم السؤال التالي :

” المسرح ركيزة الفنون وعمودها..ما الدور والتأثير الذي يفترض أن يلعبه ؟، وما أسباب تراجع وغياب ذلك الدور في المشهد الثقافي العربي في العقدين الأخيرين؟! ”

وإليكم ما جادت به أقلامهم من آراء قيمة وطرح بناء، شاكرين لهم اهتمامهم، وسرعة تجاوبهم وتفاعلهم :

* منى حبراس السليمية (كاتبة من عُمَان) :

لا أعرف كيف لمجرد مُحبة للمسرح مثلي أن تتكلم عما تحب دون أن تسرد شيئا عن علاقتها البسيطة به، فلستُ أعرف غير إحساسي تجاه المسرح، الذي عرفته بشكله المبسّط أول مرة في مدرسة عائشة أم المؤمنين بولاية سمائل العمانية، حيث درست طوال اثنى عشر عاما، فقد كان في المدرسة مسرحاً بالشكل الذي نعرفه : بناء إسمنتي مرتفع بمدخلين جانبيين، ويطل على مساحة مستطيلة كبيرة، هي مساحة طابور الصباح الذي تنتصب في ضلعه الأبعد والمقابل مصطبة العَلَم والإذاعة المدرسية ، ولم يكن مسرح المدرسة بناءً عرَضيا يُستخدم لطابور الصباح وإذاعته المدرسية – رغم إمكانية ذلك – وهو ما عزز قيمته ورسم مهمته المحددة، كما لم يكن مجرد جسم مؤقت يقام ويرفع وقت الضرورة ، لقد كان حاضرا دائما في مكانه بصبغته الزرقاء؛ ففهمت باكرا أن المسرح يشكل أهمية بالغة لهذه المؤسسة التي تسمى مدرسة.
ولكن لا ينبغي أن يفهم أن المسرح لم تكن تقام فيه سوى العروض المسرحية، بل كان مكانا للعروض الإنشادية وفقرات الأداء الحركي في مناسبات العيد الوطني وعيد المعلم ويوم التربية، والعروض المسرحية الطلابية أيضا.
تالياً..عرفت المسرح بشكل أكثر نضجا في جامعة السلطان قابوس، فالجماعات الطلابية في الجامعة تحرص على أن يكون المسرح أهم أنشطتها، فهو يستقطب حضورا طلابيا غفيرا تمتلئ له القاعات. هناك ما كنت أفوّت عرضا مسرحيا قط طوال أربع سنوات هي مدة دراستي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ، اهتمت الجامعة بالمسرح اهتماما كبيرا، ولعل أهم أحداثها السنوية هو المهرجان المسرحي الجامعي الذي تشارك فيه الفرق المسرحية الجامعية من مختلف الجامعات والكليات العمانية لمدة أسبوع أو يزيد. هناك اكتشفت حلقات النقاش وجلسات نقد المسرح، وتعرفت على مدارس هذا الفن التفاعلي المباشر بشغف كبير ، وفي تلك الفترة من منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة عشقت المسرح، وصرت أومن بأهمية وجوده، ودوره في اختزال حياتنا العصية على القبض، وترتيب فوضاها الشاسعة في خشبته الصغيرة ، وأعادني سؤال الاستطلاع أعلاه إلى جلسة جمعت مجموعة من الطالبات من كليات مختلفة إبان مهرجان المسرح الجامعي في عام 2003م، يومها كنا نناقش أهمية المسرح في حياتنا الجامعية والعامة. أتذكر كيف انبريت بحماس للدفاع عن المسرح بصفته بوابة كبيرة لفهم الفنون الأخرى، وجسرا موصلا إليها، وكانت عبارة “أعطني مسرحا أعطك شعبا مثقفا” حاضرة بقوة في نقاشاتنا الحامية، رغم أنها لم ترق لبعضنا، بينما كنت وقتها مؤمنة بها حد التعبد، وأستطيع أن أحدد أهمية المسرح ودوره بعدما افتقدته، فالزخم المسرحي الذي رافق سنوات دراستنا الجامعية اختفى فجأة بعد التخرج، فلا مسرح ملموسا خارج الجامعة، باستثناء مهرجانات دورية متباعدة زمنيا ومكانيا تحول الظروف دون مواكبتها، فضلا عن صعوبات تواجه المسرح والمسرحيين لا ينفكون يتحدثون عنها، ليس أقلها غياب المسرح بمعناه الفيزيائي، وليس أكبرها غياب الدعم المادي الذي يتطلبه قيام مسرح حقيقي يستحق عناء الحضور والمتابعة، وقد تحمل الفقرة أعلاه جزءا من إجابة الشق الثاني من السؤال، ولكني أجزم أن انصراف الناس عن المسرح سببه بشكل أو بآخر توفر البدائل من وسائط بصرية وفرت على الناس ارتباطهم بزمان ومكان محددين لمتابعة العرض المسرحي، وقد يبدو هذا سببا منطقيا، ولكن الواقع كذّبه بشكل قاطع، كان ذلك عندما عُرضت مسرحية “حارة البخت” في المسرح المفتوح بجامعة السلطان قابوس على مدى يومين في نهايات عام 2016م، فامتلأت مدرجات المسرح التي تتسع لخمسة آلاف متفرج عن بكرة أبيها، وبقيت أعداد كبيرة من الجمهور تتابع العرض وقوفا، وأعداد أخرى تتابع العرض عبر الشاشات خارج المسرح، وهو الحدث الذي يشكل سابقة في المسرح العماني يعكس شغفا وتعطشا للمسرح أعوزه الدليل الذي مَثُل يومها شاخصا بلا جدال، وأتصور دائما أن ما ينقص المسرح هو الإيمان به : إيمان المؤسسة، وإيمان داعميه، وإيمان المسرحيين أنفسهم، قبل أن ينصهر إيمان هؤلاء مكونا شغف المتلقي، الإيمان الذي يرى في المسرح فكرا وموقفا ورسالة، ويجعل منه طريقا لمن أراد اكتشاف الفنون الأخرى الدرامية منها والسينمائية، الإيمان الذي يزيحه ويزيحها معه من خانة الترف التي حكمت نظرتنا للفنون عامة في عالمنا العربي؛ فليس انحسار دور المسرح معزولا عن انحسار الفنون الأخرى، فهذه كلها معلقة على الحبل نفسه، وما نراه ليس سوى قفز على المراحل التي يشكل المسرح أولى عتباتها.

* تحسين عباس(شاعر وناقد من العراق) :

لا يُنكرُ أنَّ للمسرحِ تأثيراً مُباشراً على المجتمعات من كافةِ النواحي الاجتماعية والسياسية، لكننا في الفترة الأخيرة لاحظنا فتوراً ملحوظاً، فما عاد الممثلون يعتلون خشبة الابداع لإيصال رسالتهم السامية الارشادية والاصلاحية أو حتى تلك الترفيهية إلا لأجل الضحك أو لأجل السخرية الهادفة ؛ فالمتتبع للحركة المسرحية بشكل عام سيُلاحظ أنَّ هذا الفتور بدأ حينما دخلتِ الشبكةُ العنكبوتيةُ في المجرة العربية للفن ، وبالرغم من أنّ المسرح هو غربالُ الفنِّ العام؛ لكونهِ يعرضُ كلَّ الفنون مباشرةً وبدون اعادة، لكنّه لم يعد ْ يلبّي طموحَ الشهرة لكادرهِ الفني وخاصة الممثلين ، بسبب رواج الاعمال التلفازية من المسلسلات والأفلام التي تدخل البيوت بلا استئذان فهي مادة خالصة للشهرة ، وقد يقول قائل أن الأعمال التلفازية كانتْ موجودةً في السابق؛ فنقول : نعم ، ولكن وسائل الترويج لها كانتْ محدودة ، فقد كانت من شاشة التلفاز أو من عارضة السينما، أما الآن هناك قنوات اليوتيوب والفيس بوك وغيرها التي تستطيع أن تعرض أيَّ مادة فنية أو اعلامية أو غير ذلك ، ولو تصفحنا موقع اليوتيوب لرأينا أنَّ هناك مجموعاتٍ من الشباب الطامح لكل مستلزمات الحياة قد كوّن فرَقاً تعرضُ أنواع الفن ؛ كما انَّ هذه القنوات توفرُ على المُشاهد الصرفَ النقدي وعدم الملل ومغادرة مكانهِ الى مكان العرض المسرحي، عطفاً على  أنّ هذه القنوات أصبحتْ وسيلة لإبراز الطاقات الابداعية التي يمكن أن يتأملَ من خلالها الممثل ابرامَ عقودٍ لمسلسلات تلفازية أو أفلام سينمائية ، فالمسألة لا تحتاج إلا لكاميرا وانْ كانت بسيطة، فبالإمكان شراءها اشتراكاً بين أعضاء المجموعة الفنّية .    

* عبدالوهاب جغلال(مفكر وكاتب من المغرب) :

لا أحد يجادل في أن المسرح هو أكثر الفنون الأدبية تأثيرا في الحضارة الإنسانية، وقد عرف التاريخ العربي بدوره هذا الفن لكن في وقت متأخر ، وكانت الإرهاصات الأولى مع مارون النقاش، ثم يعقوب صنوع واحمد ابوخليل القباني مرورا بأحمد شوقي ومسرحياته الشعرية، وصولا الى توفيق الحكيم وعلي احمد باكثير وصلاح عبدالصبور ، أما في المغرب فقدظهر على يد الطيب الصديقي والطيب لعلج وعبدالكريم برشيد، ليصل على أيديهم للجمهور المغربي في أحلى واروع الانتاجات التي لقيت تجاوبا كبيرا.
لكن وللاسف الشديد فقد فَقَدَ هذا الفن رونقه وإشعاعه مع الهجوم الشرس الذي شن ضده لخلفيات سياسية محضة، فهُدمت المسارح الكبرى ومُنع الدعم، وبدا الحظر على المسرحيات الهادفة، الأمر الذي جعل رجال المسرح يختفون من الساحة الفنية، ولم يتبق إلا ما كان ذا طابع تجاري أو مناسباتي ، ومما زاد الطينة بلة هو تطور وسائل الاتصال والتواصل، والتي دجنت الجمهور فلم يعد يُقبل الا على ما هو سريع وخفيف وينفر مما يستوجب الجلوس لساعات للتفكر ولاستمتاع والفرجة ، فكيف لنا أن نعيد للمسرح اليوم رونقه خدمة للادب أولا وللفن ثانيا وللثقافة أخيراً ؟!

* محمد أحمد إسماعيل(شاعر وكاتب مسرحي من مصر) :

يختلف المسرح ــ فضلا عن أنه أبو الفنون ــ بخاصية فريدة لا تتوفر لغيره من الفنون، فالراديو استماع من جانب واحد، والتليفزيون والسينما مشاهدة من جانب واحد، أما المسرح فيمكن أن نطلق عليه (بيت الناس) ؛ لأن فيه تزول الحواجز وتلغى الوسائط في علاقة مباشرة بين الجمهور والعرض، علاقة تفاعلية حميمية آنية بين الموضوع والحدث والأبطال والمنصة من جهة ، والنظارة-الجمهور-من الناس من جهة أخرى، ولهذا يليق به جدًا أن يكون أبا الفنون وأمَّها أيضًا ، وينتج عن هذه المشاركة العقلية الوجدانية نوع من التهذيب والتطهير والحفز على التفكير الإيجابي نحو قضايا عامة إنسانية واجتماعية وسياسية أو حتى تاريخية ، ومع النشأة المبكرة للمسرح العربي والمصري خاصة؛ نتألم كثيرًا لغيابه النسبي وهو الذي بدأ عندنا (في مصر) قبل اليونانيين بحوالي 3000 سنة (بحسب دراسة صادرة عن المركز المصري لدراسات وحقوق المرأة / د. هدى الشقيري)، من خلال الحفلات الطقسية والدراما الدينية، وأول عمل مسرحي في مصر القديمة كان في معبد أوزوريس / أوزير عن مقتله على يد أخيه ست وصراع إيزيس / أيزة مع الطبيعة حتى استعادته.
وحتى بداياته العربية ــ بعد مسرح الظل ومسرح السامر ومسرح المحبظين ــ على يد مارون النقاش وأبي خليل القباني وخليل مطران من خلال التمصير ، ثم الإبداع المصري الخالص، كما في كتابات الحكيم ومحمد تيمور ونعمان عاشور ومحمود دياب ويوسف إدريس ولطفي الخولي وألفريد فرج، أقول خلال هذا وبعده كانت هناك نهضة مسرحية باعتبارها الفرجة الوحيدة المتاحة تقريبًا، التي من خلالها نظر الإنسان العربي إلى مرآته وعرف نفسه وطورها وبدأ مسيرة المقاومة والتحرر من الاستعمار ومن الثقافة المهيمنة أيضًا، ثم حدثت انتكاسة بعد مزاحمة وسائط أخرى للتأثير في ذهنية ووجدان الناس كالإذاعة والسينما والتليفزيون رغم مجانيتها وسهولة التعرض لها ودورها المهم أيضًا، لكنها كسرت هذا الخط الصاعد للمسرح ودوره الكبير، فنشأت ثقافة استهلاكية أثرت على أجيال عديدة، ثقافة استسهال وعدم مقاومة وكسل، ثم هذا الانتشار السرطاني لوسائل الاتصال الحديثة؛ فضائيات؛ شبكة إنترنت عملاقة تلتهم الوقت والعقل والروح أيضًا، مع أجيال غير محصنة ثقافيًا، ومع غياب كبير لدور الأسرة والمدرسة وأهمال نشاط المسرح المدرسي مثلًا ، هذه العوامل وأخرى اجتماعية واقتصادية وسياسية كادت تقضي على المسرح ودوره في حياة مجتمعاتنا، لولا جهود فردية واعية من عشاق ومبدعين لهذا الفن، ظلت قابضة على جمرة ناره، وشعلة تنويره ، لكن المشهد ربما يبشر ببعث جديد عربيًا ومصريًا في ظل ملل وزهد من منافسي المسرح الجامدين، ورويدًا ستنفك هذه العصابة عن أعين الوعي العربي، إذ أن هذه الوسائط لا تعوض نبل المسرح ولا قيمته التطهيرية ، فهنا في مصر مثلًا حراك مسرحي معتبر، بدأ الحراك يدب في المسرح القومي من خلال عدة عروض آخرها (اضحك لما تموت) للينين الرملي وعصام السيد، والعرض الراقص (أحمس) عن رواية (كفاح طيبة) لنجيب محفوظ، وكذلك مسرحية (تلك الليلة) على مسرح الهناجر، وعرض (فرصة سعيدة) على الخشبة المسرح الحديث، و(التنية في الغرام) أيضًا للشاعر والمسرحي سامح العلي، كما قدمت أيضًأ أكاديمية الفنون مسرحية جورج فيدو (ديل الكلب) بطولة طلاب الأكاديمية وإخراج أشرف زكي، وانتظروا..أسمع ثلاث دقات عفية في أفق قريب، لعله المسرح يُبعث من تحت الرماد حيًا حيويًا كطائر العنقاء، فجهزوا أرواحكم للتطهر.

* خديجة اكناش (فنانة وشاعرة من المغرب) :

المسرح كغيره من الفنون يؤدي رسالة عميقة، وهو يستهدف كل الفئات العمرية بين المشاهدين، ويستعمل فيه كل الوسائل لتمرير رسالة ما بتفاني..فالميم مثلا شكل من أشكال المسرح، يوظف الحركات وتعابير الوجه والموسيقى، ليوصل رسالة قد تكون أعمق بكثير من رسالة توصلها الكلمات، والنص في المسرح سيناريو يستوجب أن يدرس موضوعا يجذب انتباه المشاهد، وللمخرج دور كبير في استعمال آليات وتقنيات متطورة أو بسيطة ؛ لكنها تلعب دورا مهما في لفت انتباه المتفرج، وطريقة الأداء للأشخاص حسب الأدوار قد تكون بارعة تزيد الموضوع فنيات وعمقاً ، ويتفنن المخرج في استعمال الموسيقى والإضاءة فلها عمقها الدفين في إثارة اهتمام المشاهد ، والمسرح قديما كان يحكي اساطير وحكايات متوارثة أبا عن جد، ويساير مناسباتياً احتفالاً واعياداً واحداثاً ، وقد يكون موضوع المسرحية على شكل شخص حكواتي يسرد تفاصيلاً واحداثاً ، والمخرج يقطع السرد بإطفاء الإنارة، وأضواء خافتة تثير انتباه المشاهد، وإظهار لوحات يؤديها أشخاص داخل إطار الحكي..، أما حاليا للاسف نعيش تدهور فن المسرح ؛ لأننا ببساطة نفتقر إلى كتاب سيناريوهات في المستوى المطلوب، وأيضا نحن نشاهد تكرار المواضيع نفسها تدرس بطرق مختلفة، وبتنا نفتقد الجديد العميق كالمواضيع التي تجذب اهتمام المشاهد، لينزوي في صمت عميق لما يشد انتباهه بطرق الأداء.. ، ولا يفوتني أن أذكر مسرح الطفل الذي كانت براعمه تأتي من المدارس، وتصعد بتفوق على خشبات مهرجانات لعدة مناسبات، أما حاليا مسرح الطفل دفن مع تجاهل اللغة العربية أولا ، ثم اللهجات ؛ لأن في جل المدارس تطغى اللغات الأجنبية، بل صارت من أولوياتها ؛ لهذا نحن نلمس انعدام المواهب في المؤسسات التعليمية ، وفي دور الشباب ايضا وانعدام المشاركات في مهرجانات المدارس ، وما هو حالي يعرف ركاكة في اللغة، وفي التصور للموضوع ، وأيضا ندرة الاعمال وقلة الممثلين، ولن يفوتني ذكر ما وصلت إليه التكنولوجيا الحديثة في فسح المجال للناس أن يشاهدوا لساعات التلفاز ، وينتقلوا وهم في مكانهم الى محطات متعددة عبر العالم، أو أن ينزووا في ركن مع كمبيوتر يسافر بهم إلى كل جهات العالم، فعالم الانترنت قتل السينما التي بقدومها ايضا كانت أحد الأسباب في اغتيال فن المسرح، وبات المشاهد في شغل كبير بين مشاغله اليومية والانترنت ، نحن بقدوم العولمة فقدنا في أرواحنا الاحساس وكل الفنون، وصرنا مبرمجين آليا وأوتوماتيكيا لنساير عالم الانترنت ، ولم نلتفت إلى دور السينما ، أو الى خشبات المسرح التي باتت صقيعا ، وبعد حين ستكون من الاطلال المنسية ؛ فالعولمة غيرت حتى من احاسيسنا وشحنتنا بأشياء مندسة من وراء الأسلاك ، نحن نفتقد الحلقة في الأسواق ، في رحاب المدن العتيقة ، نفتقد لمسرح من ارتجالي لمسرح مدروس مقنن ، نفتقد الاحساس بكل الفنون للأسف.

* زاهرة محمد عطاء الله (كاتبة من ليبيا) :

لفت نظرى سؤال الاستطلاع، وأثار كوامن فى نفسي، زمن كنا وكان المسرح جزءاً من مدرستنا ومناهجنا ، فالسؤال يُفصح عن نفسه وعن حقبة وزمن ، ويزيل الغبارعن فن يكاد يندثر وبالكاد صار يُذكر ، فى زمن العولمة والضجة الفكرية والمعلوماتية، وبرامج التواصل الفكرى، عُدت للوراء، إلى فترة الثمانينات، حين كنا ندرس مسرحيات بكتاب القراءة والمطالعة، ونتبادل الأدوار جيئة وذهابا، وأصواتنا تعلو تارة، وتخبو تارة أخرى، وحسب تأثيرات الشخصيات المناطة إلينا، ونحن بصدد تناول هذاالفن لابد أن نعرج الى أهميته فى الرقى بالمجتمعات، فهو ركن من أركان الثقافة لأى بلد، وركيزة لحضارات عريقة، وهو أستاذ الشعوب ونافذة ثقافية اجتماعية، يتحقق بها التواصل بين الأفراد، ووسيلة تثقيفية وتعليمية واجتماعية به تعالج كثير من قضايا المواطن العربي، من خلال مهارة صانعيه، وكما ذكرنا أهمية المسرح كفن ؛ فلابد أن نعرج على حركة المسرح في ليبيا وتاريخه، فوجود المسرح فى ليبيا يعود إلى السنة الأولى قبل الميلاد فى عدة مدن من ليبيا، وهى قورينا، وليدة، وصبراته، ولايزال التاريخ شاهدا على ذلك، وقبل ثلاثة عقود من الآن كانت هناك حركة وعروض ونشاط للمسرح الليبى، وكل هذايعطى دلالة على عراقة المسرح فى ليبيا بركود حاضره، ومرت السنوات وظل المسرح الليبى يتأرجح بين الركود والانعاش؛ فنجد أن الوالى(عثمان باشا الساقزلى) أنشأ مسرحا بشارع الترك يسع (500) مشاهدا، وبه شرفة للعرض، تقدم فيه عروض مسرحية محلية وأخرى قادمة من مصر ، فى حين كان مسرح امبوراخ، الواقع بمحلة باب البحر قد قدم عروضا تعكس حياة المواطن الليبي بتلك الفترة، بعد مرور أكثر من (100) سنة، وصف فيها المسرح الليبى المعاصر بأنه يمر بالفترات الذهبية، وبلغ أوج تألقه آنذاك، وذلك لأنه سار بمعادلة تكافلية بين الدعم الرسمى والشعبي، وبعطاء الممثلين للفن المسرحى عطاءا لامحدودا، ثم انحدر الى مستوٍ متدنٍ فى مراحل اخرى، وكباقى مكونات المشهد الثقافى الليبي كان متأثراً بالاوضاع والتوجهات السياسية، ومر بحالة من الركود والجمود جعلت من أهله يسيرون فى متاهة دهاليزها مغلقة، واروقتها موصدة، وإضاءاتها خافتة، وستائرها مسدلة على خشبة مهترئة، لا تتحمل لعب أى دور عليها؛ فلم يعد الإقبال عليه كما كان فى السابق؛ ليشهد انحدارا، حتى وصل إلى ما وصل إليه اليوم من سُبات عميق، على حد وصف البعض، وذلك نظرا لعدة عوامل أبرزها : الظروف الاقتصادية والسياسية، وقلة الدعم المالي، وغياب الدعاية والإعلان، وأزمة النص المسرحى وضعفه، وغياب الناقد المسرحى المتخصص، وصعوبة الحياة، وايضا عدم الوعى بضرورة الفن المسرحى واهميته، ودخول التقنية والشبكة العنكبوتية كلها أضعفت قيمة مشاهدة المسرحيات على المسارح واستبدالها بالمشاهدة فى البيوت، كلها ساهمت فى أن يغط المسرح فى نوم عميق، مما أدى إلى وجود هُوة بين الفن من جهة والمتلقى من جهة أخرى، ثم أن تقاليد المجتمع الليبى ليست فنية، ولا يوجد ميل للفُرجة أو الترويح فى طبيعة حياة المواطن الليبي عموما، عرف المسرح شكله المعاصر سنة (1908) بفرقة محمد قدرى، حين قدم مسرحياته الاولى، وانتعشت حركة المسرح فى الشرق الليبى عبر احد رواده وهو : محمد عبد الهادي، وبهاأنشىت أول فرقة فى شرق ليبيا فى الفن المسرحى ، بيد أنه وخلال هذا العام والعام المنصرم عُقدت ندوات ولقاءات بغرض دراسة للنهوض بالعمل المسرحى واحياؤه من جديد، وفى هذا العام أقيمت ندوة بمعرض القاهرة للكتاب فى دورته (49) بحضور نخبة من المتخصصين والأكاديميين، فى محاولة لإعادة مشروع المسرح التجريبي الشامل، وبناء مسارح جديدة فى كل ربوع ليبيا الحبيبة، ومحاولة للبحث على دلالات مجددة ومتجددة لأجل البقاء على ساحة المسرح العالمى، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه حول سبب أزمات المسرح الليبى هل هو ما ذُكر سابقا ، أم أنّ حرية التعبير فى ظل السياسة الجديدة والتى لها اكثر من مضمار ووسيلة تعبير ، والتى صارت متاحة ومباحة للجميع بحرية وبدون رقابة من أحد، فلم تعد بحاجة للتنفيس والتعبير بكل صورها وأشكالها؛ جعلت المسرح يفقد بريقه، وغاية ما نرجوه هو صنع الكوادر الفنية التى تستطيع أن تنهض بالمسرح من جديد.

* وليد العلفي( مخرج وسينارست من اليمن) : ?

يرفض اطفالنا كل أنواع الادوية لمرارتها، من اجل ذلك توجهت اغلب الشركات المصنعة للأدوية لاضافة محسنات بمذاق الفاكهة لترغيب الاطفال لتناول العلاج ، انها سياسة تسويقية تحقق لهم الربح والفائدة للمرضى، وينطبق ذلك على المسرح، فهو وسيلة ترفيهية وعلاجية في نفس الوقت، فلو كان المسرح جافاً وهزيلاً خاليا من الابهار كاداة عرض ؛ لعزف عنه الجميع، ونحن نذهب للمسرح لنضحك وننبهر ونستمتع، لكن يظل العلاج هو الهدف الرئيسي لابو الفنون مهما ضحكنا أو بكينا أو استمتعنا، فعندما نكون حاضرين خلف كل عرض مسرحي نغادر مقاعدنا بالمسرح وقد تم حقننا بمصل يقينا من امراض مجتمعية مزمنة وافكار سامة ملوثة ، وكل من تذوق متعة المسرح يوماً ستقوده قدماه لعرض آخر ، فعندما نجد ان هناك أب مثالي كالمسرح يسعى لتحصيننا من الامراض نبادله الحب والشغف ، ذلك الشغف الذي يقودنا للصفوف الاولى بكل عرض مسرحي ، وفي سبعينات القرن الماضي شهدت اليمن نهضة كبيرة بمجال المسرح، تلك النهضة الفنية والثقافية ارتبطت ارتباطا وثيقا بنهضة البلد اقتصاديا واستقراره سياسيا، وإذا قست على ذلك كل البلدان التي تشهد نهضة مسرحية ؛ ستجد لذلك صلة مباشرة بنهضتها اقتصاديا واستقرارها سياسياً ، وبرأيي..ليس هناك تراجع للمسرح بالمشهد الثقافي العربي بالعقدين الاخرين ، فبرغم مما تشهده اغلب الدول العربية من اضطرابات سياسية واقتصادية ؛ تعد العروض المسرحية فيها من اضخم الانتاجات التي يشاهدها الجمهور العربي والعالمي ، ولكن للاسف هي اسوأ عروض مسرحية سيسجلها التاريخ ، انها انتكاسة للعقول، فقد أزيح الستار عن عرض مسرحي يتشبث المرضى فيه بافكارهم المريضة المزمنة، بذلك الستار حتى لا يغلق ، فنضطر ان نغمض اعيننا حزنا حتى تنتهي المسرحية الهزيلة دون تصفيق ، وليفتح الستار من جديد على عهد جديد، مزدهر بالعقول ، لنضحك ونستمتع ، ونحصن وعي وثقافة الأجيال، ولنتذوق حلاوة العلاج الذي يقوم به المسرح.

* مبخوت النويرة (مخرج مسرحي من اليمن) :

الدور الذي يلعبه المسرح في المجتمعات هو تنويري توعوي، فمن خلاله تقاس ثقافة ووعي المجتمع وتطوره، فالمسرح مرآة الشعوب، فلو اردت معرفة ثقافة ووعي شعب من الشعوب انظر الى مسرحها وتطوره او تخلفه وتراجعه وركة موضوعاته، وهذا يرجعنا الى المقولة الشهيرة : ” اعطني مسرحاً أعطك شعباً مثقفاً” ، وكما أسلفنا في حديثنا عن دور المسرح التنويري التوعوي النقدي ؛ فهو يقوم ايضاً بطرح قضايا وظواهر سلبية في المجتمع ، ويقوم بوضع الحلول لتفاديها ، فهو يحتاج الى مساحة من الحرية لطرح الظواهر السلبية في المجتمع ومواجهة المتسببين في وجود هذه الظواهر والمشكلات ، ولو كانت السلطة هي المتسببة، وفي مجتمعاتنا العربية ﻻ تقبل السلطة اي نقد موجه لها، فلا تقوم بدعم هذا الفن الثائر المحرض ضد الفساد والمفسدين، لذلك السلطة العربية ﻻ تقبل من يعريها ويكشف اخطائها، ولذا ﻻ يعطى لهذا الفن مساحة من الحرية ليستطيع التعبير عن قضاياه، فالمسرح في اي بلد يحتاج الى ارادة سياسية لتفعيله والنهوض به ، حتى يستطيع الوقوف واﻻستمرار .

* محمد فاتح (كاتب وشاعر من المغرب) :

المسرح من وسائل التعبير الحية التي تخاطب الإنسان بكل مكوناته الفكرية والوجدانية والشعورية وتثير حماسه وتستفز إحساسه ، لذلك هو من أشد وسائل تعبئة الجماهير فعالية، وأقصرها طريقا إلى فهمه ومشاعره ، وقد عرف المسرح أزهى عهوده في البلاد العربية في سنوات الخمسينات والستينات والسبعينات بعيد استقلال الدول العربية ونشوئها الحديث مع كل المطامح التي طبعت تلك الفترة ، ثم عرفت الدول العربية بعد ذلك ثلاث عقود من الإستبداد كان المسرح أول ضحاياه ، فمن المعلوم أن الأنظمة وضعت يدها وأحكمت قبضتها على كل وسائل الإعلام والتعبير الفني، ولما كان المسرح عصياً على التطويع ؛ وصل بهم الأمر إلى حد هدم أبنية المسارح، كما حصل الأمر مع المسرح البلدي التاريخي لمدينة الدار البيضاء بالمغرب ، وهذا هو السبب الأصيل لتراجع دور المسرح في المشهد الثقافي العربي ، لكن يضاف إلى ذلك أسباب أخرى تتعلق بتطور وسائل الإعلام العامة وعلى رأسها التلفزيون ، فقد كان للتلفزيون دور كبير في تراجع نشاط دَور السينيما التي كانت تعمل كدُور للمسرح أيضاً ، فقد أغلقت جل دور السينيما التي كانت مزدهرة من قبل ، وتميز العقد الأخير بتنامي وسائل الإتصال الإجتماعي، وغزو الهواتف الذكية لكل الفضاءات وكل الناس ، فحتى التلفزيون الآن عرف تراجعا ملحوظا من حيث نسب المشاهدة، وكل هذه التطورات التكنولوجية لها دورها أيضا في تراجع دور المسرح، فالذي يميز حاجة الناس اليوم هو الإستهلاك السريع ، فالفيديو الذي تتجاوز مدته دقيقتين لا يراه أحد، لذلك أصبح لزاما تضمين أية رسالة في خطاب سريع مثير ومؤثر.

* محمد قاسم قحطان( ممثل مسرحي وتلفزيوني من اليمن) :

المسرح..بدلاً من أن يكون له تأثير في المستوى الثقافي للمجتمعات ؛ عاد ليكون ضحية، وبحاجة لمن ينقل معاناته ومشاكله ، فالمسرح تحول من منبر توجيه راقي الى مكان غرضه تجاري بحت! ، يتم فيه طرح القضايا المصيرية ومناقشتها بشكل سطحي وخجول، والاسباب الرئيسية التي تقف خلف غياب دور المسرح في العقدين الاخيرين كلها سياسية، فالمسرح السياسي-الذي يتحكم الآن بالاوطان في القطر العربي- حل محل المسرح الفني، وقام بحصر اعماله في منطقة النص الهابط والأعمال اللاهادفة.

شاهد أيضاً

كعبة الله / شعر : غازي المهر

إلى الله أشكو فصول الجفافِ تداعت إليّ بجمر التجافي وهبّت عليّ كعصف رياحٍ وفيها جفاء …