(قَرْيَـــة الـنّــمْــل) للشاعر: حسن منصور

قَرْيَـــة الـنّــمْــل

الشاعر حسن منصور
*****
خَــــرجَ النّــمـلُ في نَشاطٍ يَجـولُ 

حَـولَـه الْبـيدُ والــرُّبَى والْحُـقــولُ

حــوْلهُ الأرضُ قـدْ ترامى مَـداها 

ولَـــه في أكْــنافِـــهــــا تأْمــــيـلُ

فـــتَراهُ يســيـرُ صـفّــاً طَـــويــلاً 

نَـسَــقٌ فـــيهِ دِقّـــةٌ وشُـــــمــــولُ

في رحـابِ البـيْـداءِ يَمْشي مُجِـدّا 

ومِــنَ الْجِـــدِّ صــاحــبٌ ودَلـــيـلُ

مُســتَـهــامٌ مُـــثـابـرٌ لا يُـبــالِـي

إنْ تـنَــاهَى أوِ اسـتَـمــرَّ السّـبـيـلُ

قـطـــعَ الأرضَ كلَّـهـا والْفَــيافِي

وتـساوَتْ حُــزونُـهــا وَالسُّهــولُ

عـامـلٌ في مَناكبِ الأرْضِ ساعٍ

آكِـلٌ مــنْ خــيْراتِهـــا مــا يَـنـــول

حـيَـوانٌ ضَـئــيـلُ جِـسْـمٍ ولكــنْ 

ليْسَ مـن طَـبْعــهِ الصَّنـيعُ الضَّئيل

يذْرعُ الأرضَ طاغِـياً في خُطاهُ 

أيــنَ مــــنـهُ جَـــبابِـرٌ وفُـحــــولُ!
*********
ما تَزالُ الـرِّحـابُ فـيـهـا اتّساعٌ 

في رُباهــا للـنّـمْـلِ خــيـرٌ جَــزيل

يـتَـمـنّى ، وفي الأَمانِيِّ سِـحْــرٌ 

يـدْفعُ النّـملَ، فهـوَ ماضٍ عَـجــولُ

تَعْجزُ الأُسْدُ والوُحوشُ جَمـيعـاً

وهـوَ ماضٍ ومـا اعْـتَراه الْخُـمـولُ

ولــهُ بالـثَّـرى أواصِـرُ قُـــرْبَى

فـعَــلى فِكْــرهِ تَـغــوصُ الوُحـــولُ

كـلُّ جـنْـسٍ يـريـدُ مِلْـكَ ثَراهــا

لِــيكـونَ الـوَحــيدَ فــيـهــا يَصــولُ

بَعــضُهُ أبيَــضٌ جَـمـيلٌ ولكــنْ 

فِي حَـنـايا النّـفـــوسِ شَـرٌّ وَبـيــلُ

وكَـذا أسْـوَدٌ وأصْــفَــرُ يسْـعـى

بـنُـفــوسٍ فــيـهــا ضَـمـيرٌ هَــزيـل

يعــرِفُ الْجِـدّ والنّشـاطَ ولكــنْ

فِي سِـواها فــذاكَ فـــظٌّ جَـهــــولُ

نَـهِــمٌ ما دَرى القـناعــةَ يـوْمــاً 

أوْ تَـنـاهَـتْ أطْـمـاعُــه أو تَـحــول

*********
أُمـمُ النَّـمـلِ كلُّـها قــد تَـداعَـــتْ 

إذْ دعَـتْـها أهْـــواؤُهــا والعُــقــولُ

خرجَتْ من جُحورِها مُسرِعاتٍ 

إذْ مَشى للشّــيْـطانِ فـيـهـا رَسـول

كـلُّ حــزْبٍ مُـسـلّــحٌ مُـسْـتـعِــدٌّ 

هــاتِفٌ بالــدَّمارِ، وهــوَ الكَـفـــيـلُ

يطـلـبُ النّـصرَ كـلَّـهُ لا يُبـالِـي

في سَـبيلِ الوُصولِ كـيفَ الوُصولُ

خُـلِـقَـتْ نـفْـسُه مِنَ الطّـينِ لكنْ 

روحُـــه إِعْــصــارٌ ونــارٌ أَكــــولُ

طـاولَ النّـجــمَ هِــمّــةً وخَــيالاً 

وهـوَ في الأرْضِ جـاثِـمٌ لا يَـطـول

عـاش فـوقَ الثّرى ويَكْـبُرُ عنْه

وهـــوَ يومـاً إلَى الــثّرى سَــيَـئـول

يا لــهُ مـنْ جـانٍ جَـنى كلَّ شَرٍّ

وعــلى رأسِــه الشُّـــرورُ تَــــدول

لَم يَجــدْ غـيْرَ جِـنْسهِ من عَـدوٍّ 

ولهُ – لـو دَرى – خُـصـومٌ تَغــول

قــاتِلٌ، بلْ مُــدمّـرٌ كـلَّ خِـــــلٍّ 

وهو في الْحـقِّ- لو علمْتَ – القَتيلُ

كلّما غـالَتِ الـوَغى مـنهُ جـيلاً 

يَغــتَـدي لـلْحُــروبِ جــيـلٌ وَجــيـل

قِــصّـةٌ تـنْــتَـهي لـتَـبْــدأَ دوْمـــاً

مـا تَـوالَى للـنّــمــلِ طـبْعٌ مَـــثـيـل

ضجَّتِ الأرْضُ من لَظى الْحِقْدِ حتّى 

لتَـكادُ الْجِــبالُ مـنْـهـا تَــزول

واسْتعـاذَتْ مـنهُ الْخَلائقُ جَـمْعاً

فـهْــوَ داءٌ يشْـقى بـه الْـمَـعْــلـول ‍‍

*********
قـريةُ النّمـلِ أصْبـحَـتْ دارَ ظُلمٍ 

كلُّ مَـنْ فــيـهــا ظـالِــمٌ أو ذَلـــيـل

أبْـصَرتْهــا النُّجــومُ قــريَةَ شـرٍّ

مَـــزّقـتْـهـــــا عَــــداوَةٌ وذُحــــول

فَــرمَـتْها بالـــرّيحِ تَـهْــدُرُ نـاراً 

وأعاصـيرَ لـيْــلُــهــــا مــوْصـــول

عـاجَـلَـتْهـا الــرّياحُ دَكّاً وحـرْقاً

غادرَتْهـا وهيَ الكَـثـيـبُ الْـمَهــيـلُ

جعــلَتْ كلَّ النّمــلِ فـيها هَـــباءً 

وجَـــزَتْـهُ الفَـــناءَ، وهـــوَ قــلــيـل

وأفـاضَتْ مُـزْنُ السّماءِ مِــياهـاً

طاهِــراتٍ عــلى ثَراهـــا تَســيـل

ربّمــا أصْـبحَ الــتُّرابُ طَهـوراً

مُــنْـبِـتـاً، والنَّـبــاتُ فـيــه جَـمــــيلُ

يتغـذَّى بالطُّهــرِ جسْماً وَروحـاً

ثُـمّ يـنْـمــو وهـــوَ الـنّــقيُّ السَّــلـيل

****************************************
الشاعر حسن منصور
من المجموعة الخامسة ديوان (لمن أغني) ط2- دار أمواج – عمّان 2014م (ص7)

شاهد أيضاً

قصيدة : العشقُ السلاف / شعر : علي كريم عباس – العراق

على قَدر الضنى يَمضي الشبابُ ومـَنْ أحـبـبـتُ جافــــاهُ الإيـابُ عتبتُ وما على العشـّــاقِ ذنــبٌ إذا …