سيميائية التأويل في النص(الوقت الآن) للشاعرة منى المصباحي/كتب:عبده عبود الزراعي-مجلة أقلام عربية

سيميائية التأويل في النص الشعري المنثور

(الوقت الآن) للشاعرة اليمنية منى المصباحي

 

الوقت الآن

تجاوز أحاديث الترف

ووصل إلى نهاية الإختناق

عند سرد حكايات الغروب

المتكررة في ذاكرة الموتىٰ..

الوقت الآن

تجاوز وشوشات القلب

وبلغ ذروة اعترافه بالهزيمة

” لا مكان للحب هنا “

من خلال عنونة النصوص النثرية في انزياح ماتحمله قصيدة النثر من دلالات وانزياح مجازي، نجدالعنوان يتموقع في سيمائية دلالية ذات مفهوم لغوي ،بالحاضر وكينونة ظرفية زمنية..”يتكون من جملة اسمية ..(الوقت.. الآن) وفي عجالة لاتسمح بإشارة إلى الزمنية التي اتكأت عليها عنونة النص..بالآنية الوقتية..حيث لازمنا تعودإليه حكائية السرد الشعري..لأنه وجود لكينونة وقتية بدلالة(تجاوز )وكأن الحاضرذاته، لازمن فيه للرجوع. اواستعادة  الزمن المنتهي، المنتهي بانتهاء فعل صيرورته.ولم يجد مساحة من الفراغ ليعيد فيه أنسنته وأحاديثه وتكراره لسرد الأحاديث الأشبه بسردحكايات الغروب في ذاكرةموثى..في حين ذواكرالموتى لاتعيد تكرارسردحكاياتها.لأنها في عالم أشبه بالعدم .لقدانحرف المعنى عن مساره النصي تأويليا..فليست القصدية هي تكرار السرد لأحاديث التي تردد لاستلهام  الغروب في ذواكر الموتى الحقيقيين..لكن قصدية المعنى  انزاحت عن المعنى اللغوي ..لتدلل على ضيق الوقت ومساحة الزمن وتجاوزه للحاضر، بحيث لم يسمح بمساحة  من التذكر.لقد وصلت الذات إلى حالة الإختناق..

إن تعبيراً بتجاوز الوقت في الظرف الآني لكل ترَفِِ ولكل ذكرى وصل فيه الإنسان الى الإختناق، قديدهش القارئ العادي والمثقف بهذه السردية الشاعرية التي رمزت إلى الوقت وحددته بالآن..لكن الآن وإن دلت على ظرفية  وقتية محددة ، في مفهوم الآخر الذي يعيش في غرب الكرة الأرضية اوفي شرقها..إذا كانت الشاعرة تعيش في جنوب غرب الكرة الأرضية مثلا..اوفي شمالها،،لكنها جسدت الرؤية والفكرة ،بنفي ما يتفق مع بذخ الآخر ..حتى صار الوقت لايسمح بوشوشة القلب إلى القلب ذاته..وبلغ اعترافه بالهزيمة إلى الذروة. ،فصارت الأمكنة بفعل (النفي)  لن تجدزمنا، حتى الحب للحب، المكون الرئيس للذات والعاطفة الإنسانية… لم يجدمكانا (الوقت الآن)تكرر في اوائل المقاطع كرمزية..إلى عدم الرجوع إلى الماضي الذي لم يتبق منه مايحيل إليه..من خلال تجسيد الرمز. واختناق الزمن..المنفصل عن ماضيه، لأن الماضي وإن كان يتولدمنه حاضرامستقبليا.إلا أن الحقل الدلالي وصل إلى نهاية البنية التي لاتسمح بالرجوع إلى الزمن الماضي..

الوقت الآن

تجاوز إلتواء أحرفي

في معصم فكرة

تحاول الانعتاق من بين أوراقي

ووصل إلى آخر نقطة على السطر..

الوقت الآن

يشبه مجيء حلم بعد فوات الأوان،

بعد جفاف الدمع،

بعد إدارة ظهرك له

والمشي في الاتجاه المعاكس..

وعلى المستوى الدلالي.صارالوقت لايسمح بانعتاق معصم فكرة تحاول أن تبرز كظاهرة تواجه  الحدث المستمر في زمن الخطاب الشعري ،فهل صار الزمن واقعا بحكم آنيته الظرفية..وتجسيدالصورة المجازية..؟أم أن الوقت في مفهوم الشاعرة غير الوقت الزمني  العام الذي يمر به الإنسان على مساحة جغرافية..من هذا الكوكب الذي صارت الأهواءوالرغبات السياسية، والمصالح الدولية (الخاصة). تتحكم في عيش الإنسان وتفكيره وإنتاجه وإبداعه..؟

الوقت الذي يتكرر عبر الخطاب الشعري لدى المصباحي..هو مايسمى بعصر السرعة..وعصرعدم التلكُّؤ والركون إلى إلإلهام والحدس الظني، والتفكير الذي لايصل إلى نتائج علمية،أونظريات مستنبطة من خلال التجريب والتطبيقات الميدانية. اومن خلال الأبحاث العلمية..(الوقت الآن يشبه حلمِِ بعدفوات الأوان..

بعدجفاف الدمع،بعدإدارة ظهرك له..

هل أنت ام نحن معني بالخطاب ؟؟وهل المشي بعكس الوقت يعيدنا الى اللاوقت ؟وهذا معناه أنك تسير بخطى في ميتافيزيقية الماضي..بينما (الآن) هو الحاضر أمامك،وقد وقف أمام عينيك ينذرك حتى صاركنقطة بآخر السطر .

.الوقت الآن

يسألني

يسألك

من أنت؟

من أنا؟

نحن لا أحد!

أن تكون لا أحد

أن تبقىٰ خاويًا من ثقل العالم

أن تمشي بلا ذاكرة

أن تنجو من كل ذاك الجنون

ساعة انعتاق..

الوقت الآن

غروب الروح

وانغماسها في هذيان

يشبه ارتعاشة نجمة غاب عنها القمر في ليلة عاصفة،

يشبه بكاء قمر حجبت عنه الغيوم غناء جدول

وحيد..

الوقت الآن..

كررت الشاعرة الجملة (الوقت . الآن) في أوائل المقاطع ،وجعلت الجملة عتبة للنص، ثم اختتمت به آخرسطر في النص..وكأن هناك إلحاحا من وراء المعنى يشير إلى السرعة الخاطفة..التي لاتستوجب التباطؤ، وأن الوقت ..هو الآن.ماثل أمام الوقت ذاته..ومجسد ، تحول إلى أنا منفعلة بالذات متحدة بالتفكير..ومجسدة من خلال التشخيص في أسئلته المدهشة والإستغرابية..

ولكن لايجد أجوبة لأسئلته لأن الفراغ أصبح رمزا لعدمية اللاأحد. يجيب على سئلته..

لأن الفراغ أصبح رمزا لعدمية اللاأحد. يجيب على استفهامات الوقت الملح في الأسئلة عن إمكانيات الموجود وإثبات وجودية أحدية..تستطيع أن تفحم الوقت بإنجاز الماضي ومعاصرة. الحاضرومسايرة( الأنت)لعصرنة الزمن الذي يمشي ويسيربسرعة الصواريخ..في حين أن( النحن والأنت) لاوجود لها في مصير الوقت ..فالوقت هو الوقت المميز بالزمن الذي نعيشه ونمضي فيه..ونغني ونحزن ونألم ونسلو..ونكتب ونقرأ..وووإلخ..

لكنك أصبحت غيرموجود أيها الأنا /الانسان/الذات/الفكر/الحضارة/المعاصرة/الثقافة/الوجود الإنساني بكل معناه الحضوري والحضاري، فماذا يعني الخواء من ثقل العالم..والمشي بلاذاكرة محاولة للهروب من الجنون ..فالجنون المتعمد مقابل لثنائية الهروب من واقع الإنسانيةوالتعقل..لأن الجنون المعنوي ليس إلا دليل على انفتاح متفرد للخروج من أزمة الذات،مقابل عولمة الآخر .وهرووب من ثقل العالم وامكانياته الفوضوية التي لم تترك مساحة من الوقت غير الإندهاش والجنون المختنق..أمام ميكانيزما العولمة والصراع الوجودي الذي يحاول ان يبني كونا ثنائيا.في مقابل نمطية الشخصية المصطنعة جراء التمدن والتحكم في مصائرهاالحياتية، وذلك نتيجة الركود الفكري والإقتصادي ،والإستهلاك المتزايد..مقابل عدم الإنتاج..

هذا ماتفسره دلالات المقطعين الأخيرين في النص..فغروب الروح وانغماسهافي الهذيان يشير إلى افولها المعنوي

وعدم جدوى الذات الإنسانية التي وجدت من أجلها.وهذا ماآلت اليه حياة الإنسان العربي..منذ عقود ، بل منذعصورتأريخية صار أشبه بالهامش الذي لايدل إلامعنى لجملة بسيطة..اومعان مرادفة لبضع كلمات.لقد أصبح العقل العربي لايدل على ذاته من ناحية، ولاعلى وجوده كرقم حقيقي بين الأرقام الحسابية العالمية..من ناحية أخرى..

وإذا أولنا النص تفكيكيا على حساب الشاعرة، فالتفكيكية لاتتعامل أخلاقيا مع الشاعرمن خلال النص، ولكن تتعامل مع النص كمادة منجزة. من خارج الوعي ،لهاعلاقة بالبنى التخييلية التي أنجزها المؤلف في النص المنجز..وهذا ماآل إليه النص النثري الشعري للشاعرة اليمنية منى المصباحي..

قراءة / أ.عبده عبود الزُّرَاعِي

شاهد أيضاً

كعبة الله / شعر : غازي المهر

إلى الله أشكو فصول الجفافِ تداعت إليّ بجمر التجافي وهبّت عليّ كعصف رياحٍ وفيها جفاء …