“قصيدة النثر…والفضاء المتجدد في تحولات عصر ما بعد الحداثة”/ استطلاع : صالح عبده الآنسي- مجلة اقلام عربية

خاص) مجلة اقلام عربية
العدد (15) يناير 2018م
_______________

كما هو المدلول العام المستوحى من إسمها وإسم منتداها على الفيس بوك وموقعها الإلكتروني على الشبكة العامة؛ تأسست مجلة أقلام عربية لتكون حاضنة لكل أشكال وألوان الإبداع العربي الأدبي والفكري دون استثناء، ولتكون فضاء واحداً رحباً منفتحاً على كل الأقلام العربية المبدعة، يلتقي فيه ويرتقي الجميع معاً بكل الحب والوئام، في مزج جميل بين القديم والحديث والمعاصر، وهو ما فرضه عليها وجوب الإهتمام والإعتزاز بإرث الماضي، الذي هو امتداد للحاضر، جاء منه ولا ينفك عنه، وما فرضه عليها ايضاً إيقاع العصر الحاضر ومواكبة ما فيه من تطورات وتحولات جديدة، في عصر الحداثة، وفي عصر ما بعد الحداثة الذي نعيشه.

وبعيداً عن ما دار من جدل واسع عقيم حول موضوع قصيدة النثر، في الإعتراف بها أو عدم الإعتراف كلون أدبي أو شعري، أثبت أهميته ووجوده، ولما لمسناه من إقبال كبير ومتزايد على كتابتها، وقبول لها من المتلقي وانتشار واسع، ودور لها لا ينكر ولا يمكن غض الطرف عنه، ساهم في إثراء حركة المشهد الأدبي والثقافي في الوطن العربي، تقرر أن يكون لنا مع هذا اللون الجميل وقفة إنصاف واعتراف بدوره المشهود والملموس، كفضاء أدبي رحب ومتجدد…وذلك عبر هذا التحقيق أو الإستطلاع للرأي الذي أجريناه مع العديد من الأخوة والأخوات من الشعراء والشواعر رواد وكتاب قصيدة النثر، والذين يجمع البعض منهم بين كتابة العمود والتفعيلة والنثر معاً، ممن لهم نظرة انفتاح عصرية على مختلف أشكال التعبير والإبداع الإنساني، طارحين عليهم السؤال التالي :

( قصيدة النثر كلون أدبي حديث..كيف نجحت في إثبات أنها وعاء جيد لجمع التجربة الإنسانية الشعرية والتعبير عنها كالعمود والتفعيلة ؟!، وما الذي أضافته من إثراء للمشهد الأدبي والساحة الثقافية العربية ؟! )

وإليكم ما جادت به أقلامهم من آراء قيمة وطرح بناء، شاكرين لهم اهتمامهم، وسرعة تجاوبهم وتفاعلهم :

* زين العابدين الضبيبي- اليمن

يمكن القول أن قصيدة النثر صارت جزء هام وحيوي في جسد الثقافة العربية، تنمو وتتطور، وأعني التي تصدر عن ذات واعية منسجمة مع تراثها الأدبي بأشكاله المختلفة، ومن هنا بوسعنا الحديث أن قصيدة النثر أثرت الحياة الثقافية بإطلاق الحرية للخيال ليتحرك في فضاء مفتوح خارج سلطة الإيقاع، وأخص تلك التي يتوفر فيها ماء الشعر والدهشة والمفارقة، ومقتضيات الجمال النسبية في كل فن أدبي ينطلق من الروح ليخاطب الروح والفكر والوجدان، ولم يعد الحديث عن جدارة وحضور قصيدة النثر وعن إثبات الوجود مهماً الآن ونحن في عصر الومضة والهيكو، لأن كل فن أو جنس أدبي يضع بصمته الأولى على الورق، إما أن ينمو أو يموت، وقصيدة النثر تنمو وتتطور وتضيف مساحات وجدانية وفنية لا يمكن إغفالها والتقليل منها، وقد اعترف بها ومارس كتابتها شعراء التفعيلة والعمود مثل نزار أدونيس ودرويش والمقالح وغيرهم.

* راوند دلعو – سوريا

أرى أن الوزن غالباً ما يستلّ من الشّعر روحه ويلدغه بالحشو فيكبّل المعنى فيه ويقزّمه على حساب جميل المبنى، تلك هي الجزية التي كتب على القصيدة التقليدية أن تدفعها ثمناً للقالب القديم، فترى القصيدة الموزونة مستميتة لتقول كلاماً عادياً من حيث المعنى، لكنه موزون الهيكل، مزركش المبنى ! ومن هنا ولدت قيثاريّتي كمزيج فريد بين الشعر التقليدي و الحر على طريق التجديد، حيث لا نترك الوزن فنهجره، ولا نعض عليه فيأسرنا، كالفراشة لا تدنو من النار فتحترق ولا تبتعد فتبتلعها ظلمة الليل الأجوف، و أرى أن كبرى الكوارث الّتي ألمّت بالأدب العربي فقزّمت فيه المعنى وقمقمته هي قَصْرُ مسمّى الشّعر على الموزون المقفّى فقط، و ذلك مع بدايات العصر الفراهيدي، حيث خبا التّيار الذي يطلق الشّعر على (كل ما سُمِعَ فأشعَر سواء اتّزن أم لم يتّزن، قُفِّيَ أم لا )، وبقصر الشّعر على الموزون المقفّى اتّجه الشّعراء للمبنى (الوزن والقافية)، فتمّ تقييد المعنى واختزاله تبعاً لعدد التّفعيلات التي تلزم الشّاعر بعدد معيّن من الكلمات، فاضطر الشاعر لخصخصه الفكرة على حساب الإلتزام بالوزن، ومن هنا تم تكبيل العقل الشّعري العربي في تعبيره عن العاطفة بالقيد الوزني، ففقد الشّعر العربي عمقه الفكري في كثير من الأحيان، واتّجهت جهود معظم الشّعراء لنحت الهيكليّة اللفظية بأزاميل البديع والبلاغة، وكل ذلك ضمن قفص الوزن على حساب المعنى الحقيقي للشّعر المتمثّل بالعاطفة والفكرة الدفّاقة…مشكلتنا في الشعر المعاصر ليست مع الفراهيدي الذي جمع أوزان الشعر العربي، وإنما مشكلتنا مع بعض أتباعه الذين قرروا تكبيل القصيدة العربية وجنزرتها بالوزن والقافية إلى الأبد، فتبعتهم أمم في عصور الظلمات حيث كان التفكير والخروج عن المألوف من أشد المحرمات، فالفراهيدي-رحمه الله-لم يقصد تكبيل القصيدة إلى الأبد، بل كان إنجازه إبداعياً في عصره مستحقاً لكل تقدير، لكن أتباعه حولوه إلى سجان للقصيدة من خلال جعل البحور الفراهيدية قيوداً عابرةً للأجيال، وهنا يحق لي التساؤل يا ترى ما قيمة الأدب إن لم يأت بشيء جديد؟، ما قيمة الكلمة إن حافظت على شكلها لآلاف السنين بحجة أن رجلاً كان يسمى الفراهيدي قرر ذلك منذ ألف سنة؟!، و من هنا تصدح رسالتي أن دعوا الشعراء يكتبون بشتى الطرق، ولو على ظهور السيارات وشكمانات الطائرات…دعوهم فليكتبوا ولو تحت الماء وفي الفضاء…دعوهم فليطوروا اللغة وليستخدموا ألفاظاً مطروقة، ثم لينحتوا أخرى غير مطروقة، دعوهم فليكتبوا الموزون وغير الموزون، ولنحترم كلتا التجربتين، دعوهم يكتبون فوق الشمس وتحت الشمس وداخل معالجات الحواسيب، وليبتكروا طرائق مفعمة بالجدة والجديد…فكل ما أثار المشاعر بطريقة موسيقية يسمى شعراً…سيقول أحدهم بأن العرب اصطلحت منذ عهد الفراهيدي على قصر مسمى الشعر على الموزون المقفى…فأقول: نعم…فلنصحح الإصطلاحات الخاطئة ،ولنعد فلنبن مصطلحاتنا على الصواب المنطقي ، الذي يتوافق مع الظاهر اللغوي لكلمة شعر ، و من هنا آثرت أن أقدم للقارئ هذه الرسالة التي ترمي إلى التجديد ، و من ثَم تصحيح المصطلحات و إعادة تعريف الشعر ، بل إعادة ترتيب البيت الشعري العربي بناء على نظرة واقعية منطقية عقلانية .
في ضوء ذلك أرى أن الرّكن الوحيد الواجب الوجود في الكلام كي يكون شعراً هو الفيض العاطفي الملحن موسيقياً ، فوجب اعتبار أي كلام شاعري عاطفي من مصافّ الشّعر سواء وزن أم لم يوزن ، قفّي أم لم يقفّ ، طالما أبحرت به نبرات الموسيقا في غياهب الوعي والحقيقة ، كما أنه لا يجب اعتبار الكلام الموزون المقفّى الخال من أي عاطفة شعراً (كألفية ابن مالك مثلا حيث تخلو من أي فيض شعري) ، ثم ما أكثر الكلام المبتذل الموزون المقفّى الملصق بالشّعر !! ، لكن ينبغي أن نربأ بلفظة الشّعر عن إلصاقها بالإبتذال والسّوقية التي تدرج على ألسنة بعض البسطاء بشكل موزون ، وبالمقابل نجد أن هناك الكثير من الكلام الشّاعري الرّائع المدرج تحت مسمى الخواطر والنّثر ، في حين لا يطلق عليه التقليديون مسمّى الشّعر ، في واحد من أشد الأحكام ظلماً للشعر قبل الخاطرة والنثر ، فأنا أعتبر إقصاء الخاطرة وإخراجها من دائرة الشّعر حرمان للشّعر من أحد أهم أبنائه تأثيراً على النّفس البشرية ، وما أكثر الخواطر الرّائعة والتراكيب الّتي تجتثّ الدموع والإنفعال من النّفس اجتثاثاً…لتبني في الفكر من المشاعر الجيّاشة ٍأعمقها ، فوجب علينا تصحيح المصطلحات ، وتقسيم الشعر إلى موزون وحر.

* غالية عيسى – اليمن

رغم الجدل الدائر والمستمر منذ الخمسينات من القرن المنصرم وحتى اليوم حول قصيدة النثر ، فإن هذه القصيدة استطاعت أن تعبر عن وجودها ، من خلال وسائل التعبير الثقافي المختلفة ، فأصبح لها مكانة في صيرورة الثقافة العربية ، بحيث أنه لا يمكن تجاهل وجودها ، عند دراسة الشعر العربي في الوقت الراهن ، وقد أمتد حضور وتأثير قصيدة النثر في الشعر والثقافة في مختلف الأقطار العربية ، إن قصيدة النثر ذات شكل وبناء فني متميز ، وذات وحدة مترابطة وكثافة في الصورة ، وهذا ما يجعلها في دائرة الشعر ، وهو ما يميزها عن الشعر المنثور الذي هو استرسال الشعور دون قاعدة فنية أو منهج شكلي بنائي ، لذلك هو روائي وصفي يتجه إلى السرد الانفعالي وتنفسح فيه وحدة التناغم والانسجام ، وعن ذلك تقول الكاتبة الفرنسية سوزان برنار : ” لتكون قصيدة النثر قصيدة نثر لا قطعة نثر فنية أو محملة بالشعر يشترط فيها الإيجاز و التوهج ” ، وفي رأيي أن المقصود هنا هو اختزال الفكرة في صورة خيالية مكثفة متوهجة بالمجاز ، ذات بعد فني ولغوي عميقين ، لذلك فأني أرى أن قصيدة النثر عبارة عن فلسفة خاصة للعناصر الجمالية في الشعر العربي إذ فيها تطير الصورة بجناحين دون قيد الوزن وحصار القافية ، إنها الإيقاع المنسجم المتناغم الذي يسير خطوة بخطوة مع ظل الصورة والتحليق مع المخيلة إلى أبعد مدى قد تصل إليه الدفقة الشعورية ، لذلك فقد أضافت ” قصيدة النثر” للشعر العربي الاتساع في التعبير عن مضمونات الشعر وموضوعاته التعبيرية ، بلغة فنية حرة تمتد وتتسع لبناء المشهد الخيالي للصورة ، وقد استطاع شعراء قصيدة النثر العربي جعلها وعاء جيد للتعبير عن التجربة الشعرية وفق أطر رمزية ودلالية وفلسفية مع الاحتفاظ بروح الفن الشعري للقصيدة القديمة من صور وايقاع ومجاز واستعارة ، لذلك يمكن اعتبار قصيدة النثر اضافة اثرائية للشعر العربي فهي لا تقل أهمية عن قصيدة ” العمود ” و “التفعيلة ” .

* باسم عبد الكريم الفضلي- العراق

بدايةً أقول إن جميع الألوان والأنماط الأدبية الحديثة هي استجابة لمؤثر موضوعي
ماورائي(خارج سياقات محيطنا الفكر-ثقافي) في اطار نسبية جدلية(الأصولية / الحداثوية) التي شهدها تاريخنا الأدبي المعاصر ، وانعكست كموقف ابداعي( رافض / متمرد ) على الآخر الماقبلي(أعني الأنماط الأدبية السابقة لها)بشكل تام أو جزئي ، ولما كانت قصيدة النثر من ضمن تلك الأنماط الأدبية المتمردة ، فانها مثّلت على صعيد المضمون والمعنى همّاً ورؤية نثرشعرية ، ارتبطا في الأغلب بالتماهي مع صراع الإنسان العربي ، من أجل البحث عن معناه وتأكيد ذاته في ظل غربته..قمعه في محيطه الواقعي بعديد مسمياته ، وأولها الوطن ، إضافة إلى معالجة موضوعة (الوجود) و سلطوية الفكر المؤسساتي في لغة (فكر-شاعرية) ، وهي هنا أثرت المشهد الادبي بما أضافته من جديد (كشف) لأعماق الذات الداخلية / الخارجية ، وتوجيه اهتمام المتلقي نحو التقاطعات (الفكرية ، الشعورية) بين ذلك الإنسان وبين من يقهره ، ويصادر إرادته بالحياة الحرة..والأمثلة على هذا : ” تقاطع بين الأنا(الفرد المقهور)/الهو(السلطة القامعة) وبين الوعي الحر/الوعي المغيّب ، ولقد أتاح لها تحررها الشكلي من صرامة الضوابط الإيقاعية (الميزان العروضي) ومن وجوب لزومية القافية ، وتكرارية شطري بيت القصيدة(صدر وعجز) ، أتاح لها مجالاً تعبيرياً رحباً ، متعدد الاشكال ، متنوع الايقاعات ، فبنية الشكل تعتمد العبارات
المختلفة الأطوال والموزعة أفقياً أو عمودياً تبعاً للمعاني ، وهنا حل الإيقاع البصري(طول العبارة أو قصرها وكيفية تواليهما وتوزيعهما في ظاهر النص) ، واصوات حروف الكلمة ( النبر ) محل إيقاعات تفعيلات البحور العروضية ، والبنية الفنية للغة قصيدة النثر ذات سيميائية دلالية متعددة كالاشارات والإيقونات
والصور والإحالة (الداخلية والخارجية) ، تعتمد الازاحة والتكثيف الدلالي والرمزية والتشفير والتعددية الدلالية…وغيرها في إنتاج رسائلها الخطابية ، مما يجعلها متعددة المعاني ، وهذا يمنحها أدوات تعبيرية ثرة ، يجعلها قادرة على تجسيد سائر الأحداث والمضامين الإنسانية.

* نوار الشاطر – سوريا

الأدب كائن حي بشكلٍ ما ، فهو يحمل تفاصيل الإنسان بكل حالاته الشعورية ، ويرسم صور حياته اليومية ،و ينمو ويتطور ويتكيف مع البيئة المحيطة ، فلا يمكن أن يُحنط أو يُجمد ، إنه يتآلف مع تقلبات طقوس الحياة ومع تعاقب فصول الأحاسيس ، والشعر جزء من الأدب يخضع أيضاً للتطور والتغيير ليواكب موجة ولغة العصر ، وليتماشى مع روح الإنسان وحاجته الشعورية واليومية ، لذا لا يمكن أن نسكب الماضي بقضاياه وأسلوبه ولغته في
شعر اليوم ، ( إن الوزن والقافية قيدان على الإبداع ، وأنا بنفسي سوف أبدأ في التخلص من هذه القيود ، وأكتب شعرًا يلائم الواقع الذي أعيش) هذا ما قاله الأديب والفيلسوف جبران خليل جبران الذي ساهم وأبدع في تدوين قصيدة النثر في أشعاره المنثورة ، (قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور…خلق حرّاً، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجًا عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية) هكذا تصف الناقدة الفرنسية سوزان برنار قصيدة النثر ، وأعتقد أن قصيدة النثر تجاوزت مرحلة إثبات نفسها مذ دخلت في حيز اهتمام الدراسات الأكاديمية ، وأثبتت وجودها في الساحة الأدبية كلون أدبي فعال في التعبير عن المشاعر دون قيود ، كثير من القصائد العمودية كلام موزون مقفى خال من المشاعر ، أما النص المنثور وإن لم يحتوِ على الايقاع الظاهري فهو يمتلك ايقاعاً داخلياً تحدده بصمة الكاتب مع وجود موسيقى لجناس الألفاظ ، لكن لا بد من معايير فنية وشكلية أيضا لقصيدة النثر ، كي لا تكون كلاماً متناثراً لا معنى له ولا مفهوم له أبرزها كما حددها النقاد : ( وحدة الموضوع والتسلسل في الوصول لخاتمة القصيدة -قوة الشِّعرية-الموسيقى الشعرية الداخلية-غرائبيّة الصور المشعة-الإيجاز (التكثيف)- التوهج (الإشراق) -الادهاش-المجانية التي تعني اللاغرضية-عناق الخاصّ والعامّ فيها- فرادة الهامشيّ فيها – خلوّها من تقاليد النظم) ، وأعتقد أنه من الجفاء ازدراء قصيدة النثر ومحاربتها والانتصار للقصيدة العمودية وحدها ، وعلينا أن نرتقي بذائقتنا الأدبية لنتلمس مواطن الجمال في قصيدة النثر ، مع وجوب التفريق بين الشعرية والشاعرية ، بين النثر الشعري والشعر المنثور وقصيدة النثر ، ولا يهم المسمى الأدبي ، فما يبقى في الذاكرة الإنسانية هو صدق نقش الروح في ضوء كلمة .

* د . ثريا بن الشيخ – المغرب

إن التطور الذي عرفته القصيدة العربية لم يكن قفزة نوعية ، وإنما هو امتداد للفعل الطبيعي للحياة ، ونظراً لقيام مفهوم الشعرية العربية على البعد الشفاهي فقد صيغت المقاييس الفنية التي تستند إليها من خلال ما تم جمعه عن حكامة النابغة الذبياني ، وما تمت صياغته مع الخليل بن أحمد الفراهيدي حين استقرأ الشعر العربي مكتشفاً ما انبنى عليه من أوزان وقوافي وقواعد ورخص ، أعتمدت فيما بعد أساساً نقدياً يحتكم إليه الشعراء ، ثم تحدد مفهوم الشعر مع المرزوقي في مقدمة شرحه لحماسة أبي تمام ، حصلت تطورات كثيرة ومتنوعة خلال تاريخ القصيدة العربية مست بالأساس بنية القصيدة..إن على مستوى الشكل الفني أو على المضامين التي راجت فيها ، وبعد عدة تحولات عميقة بدأ الشعر يفقد مركزيته خاصة بعد سقوط بغداد وغزو المغول ، ومع الاستعمار والمثاقفة لم يعد الشاعر العربي محاصراً داخل الشعرية العربية وإنما تفتح على الغرب ، وتعددت مصادر المعرفة لديه ، ودخل في حوار مباشر مع مختلف الأشكال المعرفية التي تقوم عليها ثقافة العصر ، فبعد استيعابه للتراث أصبح يصدر عن رؤيا للعالم تتضمن موقفاً من الشعر ومن اللغة ومن العالم ، وبعد نكبة 47 ظهرت القصائد الأولى من شعر التفعيلة عند كل من بدر شاكر السياب ونازك الملائكة ، وتعددت التسميات بين شعر التفعيلة والشعر الحديث أو المرسل أو قصيدة النثر ، ولما أصبح معظم المبدعين يجمعون بين الإبداع والنقد ؛ فقد سعوا إلى التوفيق بين النظرية الشعرية والممارسة الشعرية ، وبدأت الثورة على نظرية الأجناس نفسها ، وأصبح حلم الشعراء النقاد كسر الحدود النوعية الفاصلة بين الأجناس ، فظهرت قصيدة النثر التي لا تخلو من وزن و قافية ، كما أنها تقوم أساساً على مفهوم الإيقاع الذي يشمل مختلف جوانب الابداع ، وهو يتوزع استراتيجية القصيدة الجديدة ، سؤال الإضافة لا يخلو أمره..فلا نتوقع جمود الشعر و انحصاره ضمن شعرية عربية محدودة الآفاق ، في عصر فقد فيه الشعر مركزيته من جهة ، كما أنه أصبح فتحاً جديداً مرتبطاً بمستجدات العصر وسمات الواقع الجديد ، الذي لم تتبلور معه رؤيا واضحة المعالم ، نحن نعيش مرحلة ما بعد الحداثة ، وهي المرحلة التي تقتضي منا الآنطلاق من تراثنا وفهمه ولإستيعابه..لا لتقديسه ، وإنما من أجل تجاوزه وبناء تجربة شعرية في قدرتها على الربط بين مختلف الشعريات ، تصوغ حلماً جديداً لا يدعو إلى القطيعة مع التراث ، وإنما يسعى إلى التأسيس لخطاب كوني ، يكون أساسه الإنسان لا الأوزان ، إن اللغة العربية لغة موسيقى وإيقاع ؛ وهي خاضعة لميزان صرفي موحد حين تتحقق النسبة الذهبية فبين الدلالة والتركيب تنساب القصيدة ، وهي تقوم على كثافة اللغة الشعرية من خلال عمق المضمون وشفافية الإيقاع ، لا أريد التعبير عن موقف متحجر يتعصب لنمط شعري دون آخر ، فعلى الرغم من محدودية قدرة القصيدة العمودية على احتضان تجربة شعرية تختلف شكلاً ومضموناً عن إيقاع العصر القديم ، وعن قيم لا مسوغ لاستمرارها في ظل سياقات تداولية مختلفة ، فلا يمكن وضع قيود على التعبير الشعري تحت أي شعار ، فالشعر الجيد هو الذي يفرض نفسه ويتمكن من احتضان الهم الإنساني المشترك ، وتبقى الحرية للشعراء في اختيار الشكل الفني الذي يناسب توجهاتهم ، قصيدة النثر امتداد وبرزخ في نفس الآن؛ وتقوم على عمق محاورة التراث وعلى القدرة على الدخول في تعالقات عميقة مع الشعريات العالمية ، وتعتبر تجربة فنية ونقدية في كسر الحدود بين الخطين الشعري والنثري في قيامها على المتعاليات النصية ، التي يقوم عليها مفهوم الشعرية الذي يعتبر عنصراً فنياً تقوم عليه مختلف أجناس التعبير ، فلا يمكن اعتبار بنية القصيدة وعاء تصب فيه المضامين ، فالقصيدة بنت حساسية العصر ، ولها علاقة حميمة بالرغبة في امتلاك الكون وصياغة حلم جديد تنصهر فيها الاختلافات .

* محمد صالح غنايم – فلسطين

يقول أبو حيان التوحيدي فيلسوف الأدباء : “أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر ونثر كأنه نظم”…لقد حررت القصيدة النثرية الكاتب من قيود تفعيلة البحور الشعرية ، ومن عبء القافية في القصائد العمودية الموزونة ، فترى أن الشاعر يتحرر أكثر ويبحر في عباب النصوص الشعرية دون مسار محدد وبعفوية تلقائية ، هذه العفوية النسبية تعطي للشاعر جناحين كي يحلق في مدى المحسنات البلاغية كالمجاز والإستعارات والتشبيهات ، ولا شكَ أن التجديد في الشعر والإنعتاق من تلك القيود كان ضرورياً ، كي تواكبَ القصائد الحديثة العصرَ فلا يشعر القراء بالملل ولا تؤطرهم القصائد في رمادية النظم القديم ، ولا سيما أن شعراء القرن الماضي كأحمد شوقي وحافظ ابراهيم ومحمد مهدي الجواهري قد تقيدوا بالشعر العمودي الموزون ، وتركوا إرثاً شعرياً وقصائد عصماء ومجداً لا يُشق له غبار ، ولكن كلما تقدم الزمن نشعر بأننا عطشى للتجديد والتحديث كي يتناغم المشهد الثقافي مع موسيقى الرتم السريع في سيرورتنا وكينونتنا…ويُخطئ من يدعي أن القصائد الحديثة تفتقر للموسيقى الشعرية كما القصائد المُقفاة والموشحات الأندلسية ، بل أن فيها موسيقى داخلية وتحولات إيقاعية وعروضية خاصة بها ، ولعل قصائد الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش المُغناة أكبر دليل على ذلك ، وعلى سبيل المثال : ” أحن إلى خبز أمي ” و ” ريتا ” ودرويش نفسه يقول في أثر الفراشة : “كسر الإيقاع بين حين وآخر هو ضرورة إيقاعية ” ، فقد نجد أحياناً في شعر درويش تجديداً في بنية القصيدة كاحتجاب البحور الشعرية على أن تحل مكانه التفعيلة ، وأحياناً تحولات في الوزن وفي القصيدة نفسها أو مزج أكثر من وزن ، بما يعرف بالتنويع الإيقاعي ، وهو ما نتج عن تغيرات الحالة النفسية لدي درويش ، فتحولت مشاعره إلى ذبذبات موسيقية ، تتموج في النصوص الشعرية ، فتتحول إلى زخم إيقاعي بين القاع المنخفض وذرى النشوة الشعرية ، وكثيراً ما كان يمزج الموزون بالمنثور كما في كتابه ” في حضرة الغياب” فيطرق أسلوباً جديداً ، وكأنه يغني مزموراً من نشيد الأنشاد ، يخصه وحده دون غيره.

شاهد أيضاً

كعبة الله / شعر : غازي المهر

إلى الله أشكو فصول الجفافِ تداعت إليّ بجمر التجافي وهبّت عليّ كعصف رياحٍ وفيها جفاء …