” لجين ” قصة درامية قصيرة للسينارست والمخرج : وليد العلفي – مجلة أقلام عربية

تملك الأم الخوف والفزع وهي تبحث عن طفلتها لجين ذات السنوات الست ..كل خطوة تكاد تسبق الأخرى وهي تبحث عنها بكافة ارجاء المنزل عدا غرفة الجلوس.. 

أبطأت من سرعتها حين وصلت بابها ، حبست  أنفاسها  وأخفت خوفها كمن يخفي أثر جريمة! 

تجاوزت باب الغرفة لتجد زوجها المكتئب  يكاد يخترق بعينيه الجاحظتين أرضية الغرفة .. رفع نظره بعد أن شعر بها ونظر إليها وكأنه صوب نحوها مدفع ملقم بقذيفة..وكادت أن تخبره بالأمر وكل خلايا جسدها ترتجف من الهلع!

لكن هاتفه رن ونظر الى اسم المتصل وإذا به صاحب البقاله “انفعل الزوج وصرخ غاضباً في وجه زوجته : ” ما ناقص الا صاحب البقالة .. ما قد تخارجنا من  المؤجر جالنا هو ..كل يوم اتصالات وملاحقة..انا وياهم من شارع الى شارع ..مليون مرة..أقلهم منين ادي لكم زلط ..أنتم داريين إن احنا في حرب من ثلاث سنين .. ولي سنة ما استلمت الراتب.. نسيتو إني كنت من أوفى الناس..أسلم فلوسكم على آخرها يوم ثلاثين بالشهر ..وما تأخرت حتى يوم واحد..ذلحين خلاص..قامت القيامة وما عاد قدرتوني ولاقدرتو اني ابن ناس طول حياتي معزز  مكرم .. يعني إيش أسوي؟! ..أشحت..أسرق!! ” 

 

كانت لكلمات الزوج وقع كبير في نفس الزوجة فقد أضرمت الحرب في كيانها الهزيل المستسلم مسبقاً..حرب محسومة نهايتها بالهزيمة الساحقة! 

لم تدري بقدميها إلا وقد قادتها لتفتح باب المنزل..تتفحص الشارع  حيث بدا هادئاً وخالياً من الأطفال والمارة فالشمس تغرب مودعة يوم آخر من الهزيمة الموجعة!

وما زادها وجعاً .. شاب تخترق نظراته العابثة جسدها وجمالها وشعرها المتدلي على كتفها..مشدوه..غير مصدق ما ترى عيناه..التي باشرت إحداها ارسال غمزة مصحوبة بابتسامة مسمومة..اخترقت ما تبقى من حطامها..أغلقت الباب بقوة باكية  لتخبر زوجها باختفاء ” لجين ” !

ثار الزوج وجن جنونه  ليرن التلفون مرة أخرى من صاحب البقالة ..انفعل الزوج وثار على زوجته مؤنباً ومعاتباً…وجرى باتجاه باب الغرفة ، وفي طريقه دفع بزوجته بقوة باتجاه الجدار ويرتطم رأسها بحافة النافذة..لتسقط مغشيا عليها..!!

وخرج كالمعتوه يبحث عن طفلته ” لجين” بحث بكل زوايا وأزقة الحارة ..سأل هذا وذاك لكن دون جدوى.. رن التليفون مرة أخرى من صاحب البقالة ، وكان اتصاله بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل قنبلة مجهزة..لتنسف جسر حديدي!!

أخذ حجر مدبب من الارض وهرول نحو البقاله كأسد ينقض على فريسته ، وقفز من الحاجز الخشبي للبقالة حتى وسطها ليمسك بتلابيب ملابس صاحب البقالة ورفع الحجر ليضربه برأسه لكنه تراجع فجأة..حين لمح ابنته “لجين”  وهي على الكرسي وبيدها قطعة شوكلاتة تأكلها ، وباليد الأخرى كيس به أنواع مختلفة من الشوكلاتة!

تسمر الأب مكانه… كما أنعقد لسان صاحب البقالة بسبب الهجوم المفاجئ..ما الذي  يحدث؟! .. برهة من الصمت عمت الموقف وكأنها دهر بالنسبة للأب .. قطعت “لجين” حبل الصمت .. لتتحدث في براءة :

” بابه..ليش تشتي تضرب عمو وهو ادى لي شوكلاتة من اللي تعجبني.. أنت داري أن لك خيرااااات ما اشتريت لي شوكلاتة ، وكلما أقلك تشتري لي تقل لي : صاحب البقاله كريه ..ما عاد يبيع شوكلاتة للأطفال..وانا زعلت منه وجيت هنا من سب أصيح فوقه.. لكن طلع طيب وجاب لي شوكلاتة خيرات .. ليش تكذب يا بابه وتقول إنه كريه ؟! ..إذا تحبني لا تضرب عمو…عمو طيب!!”

 

سقطت الحجر من يد الأب ، واحمر وجهه خجلاً ، وبدا كمحاربٍ خارجٍ لتوه من معركةٍ خاسرة!

انتفض الأب فجأة وصاح : “سعااااااد..زوجتي”!…حمل ابنته “لجين” من على الكرسي ، وهرول باتجاه المنزل تاركاً صاحب البقالة غارقاً في الدهشة .. لا يدري ما الذي يحدث .. ليفيق من صدمته على صوت صبي بالعاشرة : 

” عمو.. قلك بابه تسلفه حبه زبادي فوق الحساب ..قدوه محرج منك قوي والله مابش معانا ما نتعشى …..” !

شاهد أيضاً

الجيش الأبيض / نثريات بقلم : أحمد قنديل

 لو أعطَى السلطةَ في وطني أنزلتُ الجيش َ الأبيض َ مَنزِلَةَ الفخرِ ونيشان المرتبةَ الأولى …

تعليق واحد

  1. قراءة خاطفة في قصة ” لجين ” للسينارست والمخرج/ وليد العلفي

    كتب : صالح عبده الآنسي
    ______________

    ” لجين” قصة قصيرة مؤثرة للسينارست والمخرج المبدع/ وليد العلفي ، لروعتها قرأتها اكثر من مرة … وفي المرة الأولى ما كدت انتهي منها حتى انحدرت من عينايَّ دمعتان لم استطع مقاومتهما .. لأن الكاتب جعلني اعيش مع احداث القصة التي ترجمت واقع المعاناة لكثير من اليمنيين الآن-إبان سني الحرب وفي ظل إنقطاع الرواتب-في حبكة درامية متقنة وسرد رائع مليئ بعنصر المفاجأة والدهشة والمواقف غير المتوقعة ، بين فيها العلاقة الطردية بين الموظف-المحدود الدخل المنقطع راتبه – وبين كلٍ من المؤجر والتاجر الجشعين ، والآثار النفسية والجسدية للفاقة والحرمان المترتبة عليه وعلى بقية افراد اسرته.

    وفي قوله بالقصة : (وما زادها وجعاً .. شاب تخترق نظراته العابثة جسدها وجمالها وشعرها المتدلي على كتفها..مشدوه..غير مصدق ما ترى عيناه..التي باشرت إحداها ارسال غمزة مصحوبة بابتسامة مسمومة..اخترقت ما تبقى من حطامها) ، كأنه يريد ان يلمح للقارئ …أن ذلك الجمال -بالزوجة- ما كانت تستحق معه أن تقاسي من هي مثلها ويلات الفاقة والحرمان ، ولكم من مثيلاتها في مجتمعنا تذبل زهرة شبابهن ويضمر غصن جمالهن مما يكابدنه من الويلات والهموم الأسرية ، وايضاً هو بذلك عرض عنصر آخر للحدث يتمثل في ذلك الشاب المستهتر الذي ربما لم يتزوج بعد ولم يعل أسرة ويجرب متاعب الحياة في مجتمعه..كيف أنه ما يزال ينظر بمثالية وسذاجة للأمور ، وكذلك وقع تلك النظرة والغمزة منه على نفسية المرأة..التي تجعلها تأسف اكثر على ضياع جمالها وذبوله في خضم تلك المعاناة اليومية ، وان كان ما فعله ذلك الشاب يعد أمراً غير مقبولاً..منافياً للعرف والدين والأخلاق .. إلا أن الكاتب بذلك يصور لمحة واقعية أخرى من الظواهر السلبية في مجتمعاتنا.

    وأظن إن اكثر ما سوف تهتز له نفسية القارئ ويدركه من بالغ الشعور بالتأثر هو خطاب الفتاة الصغيرة” لجين” لوالدها .. الذي تفاجأ به وبها عند صاحب البقالة الذي هرول إليه معتدياً..عندما قالت : ” بابه..ليش تشتي تضرب عمو وهو ادى لي شوكلاتة من اللي تعجبني.. أنت داري أن لك خيرااااات ما اشتريت لي شوكلاتة ، وكلما أقلك تشتري لي تقل لي : صاحب البقاله كريه ..ما عاد يبيع شوكلاتة للأطفال..وانا زعلت منه وجيت هنا من سب أصيح فوقه.. لكن طلع طيب وجاب لي شوكلاتة خيرات .. ليش تكذب يا بابه وتقول إنه كريه ؟! ..إذا تحبني لا تضرب عمو…عمو طيب!!” ولا يخفى ان في هذا الموقف بلغت الأحداث والحبكة الدرامية ذروتها..وكان لعنصر المفاجأة والدهشة-بما لا يتوقع-حضوره القوي فيه.

    وفي قوله ختاماً : ( وهرول باتجاه المنزل تاركاً صاحب البقالة غارقاً في الدهشة .. لا يدري ما الذي يحدث .. ليفيق من صدمته على صوت صبي بالعاشرة :
    ” عمو.. قلك بابه تسلفه حبه زبادي فوق الحساب ..قدوه محرج منك قوي والله مابش معانا ما نتعشى …..” !)
    جاء ختمه للقصة بنص هذه المناداة للتاجر من الصبي المرسل من أبيه يريد منه حبة زبادي فقط!! … كأنه يريد أن يقول لنا : “وهكذا تستمر المعاناة ويستمر واقع حال ملايين الأسر اليمنية … ويستمر مشهد الحياة اليومية المأساوي وتفاصيلها المؤلمة في كل انحاء البلد..!!

    ونص القصة يستحق مقال تحليل نقدي كبير ، ولا يمكن الإحاطة به وبأسرار روعته في نبذة قليلة .. لكنه يعكس مدى القدرة والمهارة لدى السينارست والمخرج وليد العلفي في تطويع مفردات لغته الثرية وثقافته العامة ، ويظهر مدى امتلاكه ككاتب سينارست ومخرج مبدع ومتمرس لتقنيات السرد ، وفوق هذا وذاك تبين مدى قربه من اهتمامات الناس وتفاصيل حياتهم اليومية كواحد من ابناء هذا البلد المكلوم المغلوب على امره .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.