مواقع التواصل..والانفلات النفسي

كتب/ عبده المحبشي
______________________________________________
نعش عصر العولمة والقرية الكونية الصغيرة إن لم يكن المنزل الصغير، الذي تسببت في بناءه التكنولوجيا والصناعة الحديثة، والتواصل الرقمي المتسارع الذي غيّر مسار حياتنا وحياة اجيالنا بدرجةٍ عالية لم تكن عليه في السابق، وحوَّلها إلى ضياعٍ في الأوقات وشتاتٍ في الأسرة والصحة بغض النظر عن فوائده الكبيرة التي احدثها في المجتمعات وريادة الأعمال.
والمتأمل لصفحات وحسابات الملايين في أنحاء العالم يجد الأمر اضحى واضحًا بأننا لم نعد نخشى شيئًا على خصوصيتنا واحترام اذواقنا..ولم نعد نشعر بالحياءِ والخجل من تصرفاتنا لأن احاسيسنا ومشاعرنا تبلدت، فاصبحنا نقول ما نستحي أن نقوله، ونفعل ما لم نكن نجروء على فعله أو تخيله والتفكير به.

إن غالبية ما نراه أمامنا وتسمعه مسامعنا وتدركه ابصارنا أو تقرأه عقولنا سواء كانت حالات تنمر شاذة، أو منشورات سخيفة، أو مقاطع ليس لها أي معنى أو غاية سوى الحصول على المزيدِ من المتابعين والمعجبين، كل هذه تُعد صورًا واضحة من مظاهر التعري النفسي.
ما يجعلنا نقف بتأمل فيما إذا كان بمقدورنا أن نفرق بين الرسالة السامية، أو السامة، وأن نراقب الأخبار إن كانت صحيحة أم خاطئة، وان نميّز بين المفيد واللامفيد بين الجميل والقبيح، بين الحقيقة والخدعة،بين السلب والايجاب وبين الواقع والخيال.

إننا ومع اختلاط وتشابه المواد المعروضة والمفروضة علينا في حساباتنا، وصلنا لمرحلة حرجة للغاية وهي أن خصوصيتنا وذائقتنا قد انتُهكت فلم نعد نتحفظ لشيء أو على شيء، فقد اصبحت اسرارنا مكشوفة وحياتنا مفتوحة واعتدنا على الّتقاط صور مختلفة في كل حالاتنا، ونحن في غرف نومنا وصالات اعراسنا ومجالسنا ومطابخنا، ونلتقطها مع وجباتنا الغذائية وحيواناتنا المنزلية والمتوحشة، بل لم يقتصر الأمر على أمورنا الشخصية فتجاوز التقاط الصور الميتة والحيّة والمباشرة ساعة ولادة مواليدنا ذكورًا كانوا أم اناثًا فنحتضنهم بين ايدينا ومازلت اجسادهم تقطر بدماء امهاتهم، لنلتقط معهم صورًا فرائحية.
وفي تلقائيةٍ منا نذهب إلى الزاوية المقابلة لنبارك عقد زواج لشابٍ آخر بيننا،أو حفلِ طلاقِ لفتاة أخرى من اقاربنا، لتصبح بعدها حساباتنا معرضًا دوليًا للصور ومقاطع للبث الحيّ والمباشر، ناهيك عن الحديث والتحليلات في الجوانب الدينية والسياسية.

إن انتهاك خصوصيتنا بأيدينا لا يقتصر على تلك الأمور فحسب، بل تعدى ابعد من ذلك فأثناء خلواتنا وصلواتنا في مساجدنا ودور عبادتنا، وانفرادنا مع ذواتنا نلتقط وننشر الصور التذكارية أو التعبيرية التي تكشف اجسامنا النفسية وتعري مفاتن أرواحنا الطاهرة والزكية، فلم يعد هناك أي أسرار أو خصوصية في أي مجالِ من مجالات حياتنا اليومية.

إننا بهذه الوسائل التي غزت عالمنا نتعرى نفسيًا وروحيًا واسريًا واجتماعيًا وسلوكيًا واخلاقيًا، سواء كنا نشعر أو لا نشعر، والمؤكد أن الأخرين من حولنا يدركون جيدًا حجم الأذى الذي اصابنا من ذلك التعري الخارج عن ارادتنا وسيطرتنا.
وأن هذه التفاصيل الفاضحة تجعلنا ندرك تمامًا أننا في زمن عجيب وغريب وهو (الزمن الأغبر _ بعينه) كما يحلو (شعبيًا) تسميته.
والحقيقة يجب أن نعي جيدًا معنى أن يتعرى الانسان نفسيًا، فهذا التعري لا يقل شأنًا عن تعرية الجسد والعورة..
وهذا يجعلنا نتسأل لماذا نكشف حالاتنا النفسية التي نعيشها (فيسبوكيًا وتويتريًا ويوتيوبيًا)، وما هي الأسباب التي تدعونا إلى ذلك..وما هي الأضرار والحلول.؟
والسؤال الأهم من الذي سيقوم بتغطية اجسادنا وسترها، ومن له الحق وعليه الواجب في رمينا بقطعةٍ قماشية تستر عورتنا النفسية.
إننا هنا وباستمرارنا في النشر، نعترف أن الكتابة انتصرت لنا نفسيًا، رغم حالة التعري التي وصلنا اليها فلم نعد نخشى شيئًا لأننا اصبحنا فُرجة للأخرين يحلو لهم متابعتنا بصمت والاعجاب بمنشوراتنا.
متناسين حجم الضرر النفسي الذي نتعرض له والذي اصبح يلاحقنا، فلن يسعفنا أحد ليغطي عورتنا، أو أن يدثرنا.
إن فعالية الكتابة وقوتها في الاستشفاء تجلب الراحة النفسية لنا مهما كانت كلماتنا مؤلمة أو مؤثرة أو حرجة.
رغم انها في الواقع لن تفعل شيء وهذا لا يهم، لأننا نحتفظ بكل الكلمات التي نكتبها في صفحاتنا الورقية والالكترونية وندونها في سيرنا الذاتية، فهي ليست يوميات فحسب، بل مذكرات لأحداث وقعت في الماضي ومازلت تقع في الحاضر وخلاصة تجارب وأقوال لخبرات وافكار تدرور في اذهاننا لنجاحات واخفاقات صعوبات ومعوقات تحديات ومغامرات.

وهنا لا شك بأننا وجدنا انفسنا كغيرنا ممن يكتبون بصورة مستمرة يتعرون نفسيًا بشكل يومي ولاسباب مختلفة سواءً بسبب الحرب والأوضاع المعشية أو ضغوط العمل والاسرة والعائلة..أو أن الأمر يتعلق بظروف سابقة ومشاعر مدفونة.

ومن خلال المتابعة للأشخاص والتجربة الشخصية، نلاحظ اننا حين نتعرى نفسيًا في كتاباتنا ونكشف حقيقتنا وما يجرى من صراع بداخلنا، ليس غرضه التسلية أو الفراغ كما يعتقد البعض، بل إن ما اصابنا من ظروف قاسية ومؤلمة وخيبات أمل متكررة في استقرارنا الامني والمعيشي في الوطن كفيل بأن يجعلنا نكشف عن سوآتِنا النفسية لنصل ربما إلى اللاوعي واللاعقل الذي لا يُفرق بين العُري النفسي أو الجسدي.
وإننا بافعالنا هذه لا نحتاج إلى الشفقة والاحسان بقدر حاجتنا إلى انقاذ أنفسنا بانفسنا ومساعدتها وانتشالها من وحل الظروف التي اجبرنا على الوقوع فيها..مؤمنين بالأقدار الإلهية التي لا مجال للهروب منها وادراكًا جيدًا أن ما اصابك لم يكن ليخطِئك وما اخطَأك لم يكن ليُصيبك.
#والسؤال:
متى آخر مرة كُنت بحالةٍ نفسية سيئة..ثم لماذا خرجتَ في رحلةٍ ترفيهية لتحسين حالتك النفسية والمزاجية.
#كاتب_ساخر
#التعري_النفسي #الصحة_النفسية

شاهد أيضاً

ماذا لو؟

ماذا لو؟ ها أنا يا صديقي أكتب لك رسالتي هذه من الجانب الآخر للألم، فلن …